|
وصايا الرسول لامته في الوداع
لكي نعرف وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لا بد من ذكر نص الخطبة. هذا هو نص الخطبة كما جاء في صحيح مسلم : خطب فقالe: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ كُلُّ شيء مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا في بني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا: رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ». قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ».
فتعالى معي أيها القارئ الكريم نقطف من هذا البستان الزهور التي بها نزين المجتمع بجميل الأخلاق، ونأخذ من هذه الحديقة الثمار الجيده التى بها نقوي بنيان المجتمع بل العالم بأسره .
فتحتوي هذه الخطبة على مبادئ ووصايا إذا اخذ بها المجتمع وامتثل لأمرها لكان فى أعلى حضارته وأسمى أذدهاره .
المبدأ الأول: حرمة سفك الدماء بغير حق، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: "أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا..) فأين أمة الإسلام اليوم من تطبيق هذا المبدأ، وقد أخذ بعضها برقاب بعض، وتسلط القوي فيها على الضعيف، وآل أمرها إلى ما هو غير خافٍ على أحد، حتى أضحت في موقع لا تحسد عليه.
التحذير من الذنوب يحذر الرسول أمته من أمر مهلك آخر شديد الخطورة، وهو الذنوب، ويذكر لهم أن الشيطان قد يئس من أن يعبده الناس، ولكنه مع ذلك لم ييأس من إضلالهم، وسيكون ذلك عن طريق الذنوب، بل عن طريق الذنوب الصغيرة التي يحتقرها عامة الناس لصغرها في نظرهم. "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إِنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ". والحرب بين الإنسان والشيطان أبدية، فقد وعد الله الشيطان بالانتظار إلى يوم القيامة، ونبه الإنسان بوضوح: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[فاطر: 6] والشيطان ما نسي مهمته قَطُّ، ومهمته باختصار هي إغواء أولاد آدم، وقيادتهم إلى جهنم، وبئس المهاد، وهو يتتبع في ذلك طرقًا شتى، وأساليب مختلفة، حتى لو كانت دفع الإنسان إلى ذنب صغير، فهذه خطوة ستتبع بعد ذلك بخطوات؛ لذلك يقول الله:{وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168]. والذنوب التي يدفعنا الشيطان إليها مهلكة، وما أكثر ما ذكر ربنا ذلك في كتابه، فقال تعالى:{فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [الأنعام: 6]. وقال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشُّورى: 30]. وقال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]. وقال: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40]. وقال سبحانه: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59]. وقال تعالى: {فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران: 11]. وهو كثير في القرآن، ويصعب إحصاؤه، وهو كذلك كثير في السنة النبوية، بل يشير تصريحًا أن الذنوب التي يحقرها الإنسان لصغرها في نظره، قد تكون مهلكة له، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود t ، أن رسول الله قال: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ". وهكذا جاءت هذه الوصية الخالدة؛ لتحذر المسلم من عدوه الأكبر، الشيطان، ومن الذنوب جميعًا كبيرها وصغيرها، عظيمها وحقيرها، ولا تنظر أبدًا إلى صغر الذنب، ولكن انظر إلى عِظَم من عصيت.
فكانت هذه وصايا ومبادئ حجة الوداع التى عجز عن طرحها وطرح مثلها العلماء والأدباء والمفكرون والأساتذة والمثقفون، وإنها وصايا ومبادئ إذا تمسك بها العالم لعالج داءه واستأصل المرض الخبيث الذي يعيش فيه، فصدقت يا رسول الله فيما قلت، وقولك الحق.
|