محمد صلى الله عليه وسلم
أرسل الله الأنبياء جميعا لتطهير الناس من الشرك وعبادة غيره سبحانه، وإرشادهم إلى عبادة الله وحده فهو خالقهم ولا يستحق العبادة سواه سبحانه.
وكان العرب قبل مجيء الإسلام أمة متناحرة تحكمها الخرافات والأوهام وتسيطر عليها الانحرافات والضلالات، يعبدون حجارة لا تضر ولا تنفع يصنعونها بأيديهم ويعتقدون فيها ما يعتقدونه في الله سبحانه وتعالى.
ولأن الله تعالى أراد أن يخرجهم من ضلالهم هذا، ويبين لهم سبل الهدى والتقدم والحضارة، أرسل إليهم رسولًا منهم بشرًا مثلهم، هو خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، يدعو إلى عبادة الله وتحرير العقل من الخرافات، وإعماله لتحقيق مصلحة المجتمع بشكل خاص والبشرية جمعاء بشكل عام.
ومحمد صلى الله عليه وسلم من قبيلة قريش، وهي من أعظم قبائل العرب وأشرفها، ونسبه عليه الصلاة والسلام من أشرف الأنساب، فأجداده كانوا يتصفون بالصفات العربية الحميدة كإكرام الضيف وإعانة المحتاج ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف.
وفي ظل هذه الشرف في النسب والقبيلة نشأ محمد صلى الله عليه وسلم الذي تكفل الله برعايته وحفظه قبل النبوة وبعدها، فكان من أفضل قريش نسبًا ومن أحسنهم أخلاقًا، لم يفعل النقائص ولم يقترف ما تعيبه العرب، بل كان مشهورًا في الجاهلية قبل نبوته بأنه صادق أمين؛ حتى أن عمه أبا لهب قال له: والله ما جربنا عليك كذبًا قط.
كان يعمل في التجارة ويشتغل فيها فبارك الله له في رزقه وماله، واشتُهِر بين العرب بأخلاقه ونسبه، وكان يحب أن يتفكر في خلق الله ويتأمل أسرار هذا الكون؛ حتى جاءه جبريل، فأبلغه أمر الله بتكليفه بالرسالة ودعوة الناس إلى عبادة الله.
وبدأ يدعو أقاربه وأهله وعشيرته، وكان يحثهم على صلة الأرحام وإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف وإعطاء الفقراء، وإخلاص العبودية لله، وحثهم على استخدام العقل لمعرفة المستحق للعبادة، أهو الله خالق كل شيء أم هذه الأصنام التي تضر ولا تنفع!!؟؟
وكان حريصًا في دعوته على بذل كل جهد ممكن لإخراج الناس من عبودية الخلق إلى عبادة الله خالق الخلق، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فَتَهَافَتَ الناس على تصديقه واتِّبَاعِه، ولم يجد المعارضون لدعوته - أصحاب المصالح الشخصية - ما يتهمونه به؛ لأنهم يقرون في أنفسهم أنه لا يكذب على الناس أبدًا، فكيف يكذب على رب الناس سبحانه!!
وكان عليه الصلاة والسلام أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكن الله أيده بقرآن فيه كلام الله الذي أدهش العرب وأعجزهم عن الإتيان بمثله، وهم أهل الفصاحة والبلاغة؛ حتى اعترف سيدهم في البلاغة الوليد بن المغيرة أن هذا الكلام الذي جاء به محمد يعلو ولا يعلى عليه.
واستمر النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله لا في مكة وحدها، بل في إطار الجزيرة العربية؛ حتى آمن به أهل المدينة المنورة لما كانوا يسمعون من جيرانهم اليهود عن بَعْثِ نبي من الأنبياء كما حدثتهم بذلك التوراة.
وانتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكون فيها مجتمعًا فاضلًا، يحب فيه المسلمون بعضهم، ولا يبخل أحدهم على أخيه بشيء؛ حتى إن أهل المدينة قدموا أموالهم لإخوانهم المهاجرين؛ فتحقق بذلك كله مجتمعٌ قويٌّ متماسكٌ يتكافل فيه الجميع، ويعملون لما فيه خيرهم وخير مجتمعهم، حتى أصبح العرب المتناحرون المتقاتلون أمة واحدة، يتعايشون بسلام وطمأنينة، تاركين خلف ظهورهم كل مظاهر العداء والاختلاف التي كانوا يتصفون بها في جاهليتهم .
وبدأت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم في الانتشار وكان العرب والعجم يفدون عليه فيعجبون بخُلُقِه وحسن تعامله، ويقتنعون بدعوته، ثم يتوجهون إلى أقوامهم يدعونهم إلى هذا الدين الجديد، حتى عَمَّتْ دعوة محمد صلى الله عليه وسلم الجزيرة العربية كافة قبل وفاته عليه الصلاة والسلام.