قوانين الحروب في الاسلام
   مرات المشاهدة : 273
مبادئ القرن العشرين
قوانين الحروب في الاسلام

 

قوانين الحروب في الإسلام
 
لم يكن الإسلام أبدًا سباقًا إلى إشعال الحروب والنزاعات، وإنما كان دومًا داعيًا للسلام والوئام وإفساح المجال أمام إقناع الناس، وتوصيل الدعوة لهم بالحكمة والموعظة الحسنة ..
 
ولم تكن الحرب في الإسلام أساسًا أبدًا لنَشْرِ المعتَقَد أو إجبارَ الناس عليه .. ولذا سن الإسلام قوانين وقواعد للحروب سَبق بها بمئات السنين قواعد الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف .. نطل على بعضها في هذا المقال ..
 
بداية .. نهى الإسلام عن قتال غير المعتدين وأمر بقتال المعتدين فقط من باب الدفاع عن النفس .. فقال تعالىوقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " [البقرة: 190]
 
وأباح الحرب من باب رد الظلم ورفعه عن المظلومين، مع الحث  في الوقت نفسه على العفو والصبر إن أمكن، وإلى عدم تجاوز العقوبة عند رفع الظلم .. فقال تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) [النحل: 126] كما أباح الحرب عند نقض العهود أو الخيانة ..
 
هذه القواعد تبدأ على أثرها الحروب في الإسلام .. ليس فيها اعتداء على أحد إنما هي رد للاعتداء والظلم .. وفي غيرها أمر الإسلام بإعداد القُوَى دون اعتداء .. إرهابًا للأعداء والظالمين ومنعًا من حدوث الظلم .. فقال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) [الأنفال: 60].
 
أما إذا حكم الأمر واشتدت الظروف وكانت الحرب خيارًا لا ثاني له .. كان الإسلام قائمًا بقوانينه الحربية الخاصة التي لم يسبقه فيها أحد رقيًّا و لا شمولًا .. فكان إعلانُ الحرب بداية والدعوة إلى السلام ورفع الظلم قبل القتال أمرًا أساسيًّا في حروب الإسلام .. فلم يكن قائمًا على الهجوم المباغت دون إعلان حرب ..
ففي عام (1907م) في مؤتمر لاهاي الثاني أعلن هذه الحقيقة البارون ميتشيل دي توب حيث قال: (إنه وُجِدَ مبدأ إعلان الحرب في كتابات الفقهاء المسلمين مثل الحسن البصري البغدادي والماوردي، في حين أن أوروبا قد غشيها الفوضى الإقطاعية...) ثم قال: (لقد ساعد العالم الإسلامي في سبيل توفير الإنسانية الصحيحة على البشرية البائسة مساعدة يجب أن يُنظر إليها بعين التقدير السامي، باعتبارها أسمى مما تم في أوروبا الرومانية والجرمانية والبيزنطية خلال القرون الوسطى، ولقد استفاد العالم الأوربي من الإسلام فوائد جمة مترامية المحيط)
 
وإن من قصص التاريخ الإسلامي لما يدلل على مثل ذلك .. إن الحرب لم تكن مباغتة دون إعلان ودون تقديم الخيار لأهل البلاد، إما بقبول الإسلام أو الجزية "وهي ضريبة" تدفع للدولة الإسلامية للحماية والمَنَعَة، أو الخيار الأخير وهو الحرب والقتال .. ونذكر في ذلك قصة أغرب إلى الخيال منها الى الواقع لولا أنها حدثت بالفعل .. قصة فتح "سمرقند" في خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله, كان قتيبة بن مسلم - رحمه الله - يفتح المدن والقرى، ينشر دين الله في الأرض, وفتح الله على يديه مدينة سمرقند.
 
افتتحها بدون أن يدعوَ أهلها للإسلام أو الجزية ولم يمهلهم ثلاثًا كعادة المسلمين, ثم يبدأ القتال.
 فلما علم أهل سمرقند أن هذا الأمر مخالف للإسلام كتب كهنتها رسالة إلى سلطان المسلمين في ذلك الوقت، وهو عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله, أرسل بهذه الرسالة أحد أهل سمرقند يقول هذا الرسول:
أخذت أتنقّل من بلد إلى بلد أشهرًا حتى وصلت إلى دمشق دار الخلافة، فلما وصلت أخذت أتنقل في أحيائها وأُحدِّث نفسي بأن أسأل عن دار السلطان, فأخذت على نفسي إن نطقت باسم السلطان أن أؤخذ أخذًا فلما رأيت أعظم بناءٍ في المدينة, دخلت إليه وإذا أناس يدخلون ويخرجون ويركعون ويسجدون, وإذا بحلقات هذا البناء, فقلت لأحدهم أهذه دار الوالي؟
 قال: لا, بل هذا هو المسجد.
 قال: صليت؟ قال: قلت: وما صليت؟ قال: وما دينك؟
 قال: على دين أهل سمرقند, فجعل يحدثني عن الإسلام حتى اعتنقته وشهدت بالشهادتين, ثم قلت له: أنا رجل غريب أريد السلطان دلّني عليه يرحمك الله؟
 قال: أتعني أمير المؤمنين؟ قلت: نعم.
 قال: اسلك ذلك الطريق حتى تصل إلى تلك الدار، وأشار إلى دار من طين.
 فقلت: أتهزأ بي؟
قال: لا ولكن اسلك هذا الطريق فتلك دار أمير المؤمنين، إن كنت تريده, قال: فذهبت واقتربت، وإذا برجل يأخذ طينًا ويسدّ به ثُلمة في الدار وامرأة تناوله الطين, قال: فرجعت إلى الذي دلّني وقلت: أسألك عن دار أمير المؤمنين وتدلّني على طيّان! فقال: هو ذاك أمير المؤمنين.
 قال: فطرقتُ الباب وذهبتِ المرأة وخرج الرجل، فسلّم علي ورحّب بي وغسّل يديه, وقال: ما تريد؟ قلت: هذه رسالة من كهنة سمرقند فقرأها ثم قلبها فكتب على ظهرها, (من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عامله في سمرقند أن أنْصِبْ قاضيًًا ينظر فيما ذكروا), ثم ختمها وناوَلَنِيْها.
 فانطلقت أقول: فلولا أني خشيت أن يكذبني أهل سمرقند لألقيتها في الطريق، ماذا تفعل هذه الورقة وهذه الكلمات في إخراج هذا الجيش العرمرم، وذلك القائد الذي دوّخ شرق الأرض برمتها.
 قال: وعدت بفضل الله مسلمًا، كلما دخلت بلدًا صليت بمسجده وأكرمني أهله, فلما وصلت إلى سمرقند وقرأ الكهنة الرسالة أظلمت عليهم الأرض، وضاقت عليهم بما رحبت، ذهبوا بها إلى عامل عمر على سمرقند فنصّب لهم القاضي "جُمَيْع بن حاضر الباجي" لينظر في شكواهم, ثم اجتمعوا في يوم وسألناه دعوانا فقلنا: اجتاحنا قتيبة, ولم يدْعُنا إلى الإسلام ويمهلنا لننظر في أمرنا فقال القاضي: لخليفة قتيبة وقد مات قتيبة رحمه الله: أنت ما تقول؟
 قال: لقد كانت أرضهم خصبة وواسعة فخشي قتيبة إنْ آَذَنَهُم وأمهلهم أن يتحصنوا عليه.
 قال القاضي: لقد خرجنا مجاهدين في سبيل الله، وما خرجنا فاتحين للأرض أشَرًًا وبطرًا, ثم قضى القاضي بإخراج المسلمين على أن يؤْذِنَهم القائد بعد ذلك وَفْقًا للمبادئ الإسلامية، (ما ظنّّ أهل سمرقند أنّ تلك الكلمات ستفعل فعلها) فما غربت شمس ذلك اليوم ورجلٌ من الجيش الإسلامي في أرض سمرقند, خرج الجيش كله ودعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال،
 فلما رأى أهل سمرقند ما لا مثيل له في تاريخ البشرية من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها, قالوا: هذه أمة حُكمُها رحمة ونعمة, فدخل أغلبهم في دين الله وفُرضت الجزية على الباقين.
 
فلم يكن المسلمون مُسْعِرِيْ حروب أو ناشري دينهم بحد السيف كما قال عنهم اعداؤهم .. إنما كان دائمًا القتال آخر خيار، وكان اختيار البقاء على الدين موجودًا وكان الإسلام طوعًا لا كرهًا، وإعجابًا وفهمًا لهذا الدين العظيم.
 
وكان الإسلام أول مَنْ فرّق بين المقاتلين والمدنيين .. عملًا لا قولًا أو ادِّعاءًا .. ففي وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لقادة الجيش في كافة الغزوات قال: (انطلقوا باسم الله وعلى بركة رسوله لا تقتلوا شيخًا ولا طفلاً ولا صغيرًا ولا امرأة ولا تَغُلُّوا "أي: لا تخونوا"، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، وقال أيضًا: (لا تقتلوا ذرية ولا عَسِيفًا، ولا تقتلوا أصحاب الصوامع), وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات امرأة مقتولة فغضب وقال (ما كانت هذه تقاتل أو لتقاتل)
 
وتعدى ذلك بكثير فأمر باحترام كرامة وإنسانية الأسرى، وعدم التجاوز في حقهم، بل أمر الله تعالى بحسن معاملتهم، ومدح من فعل ذلك فقال تعالى: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا)[الإنسان: 8].
 وقال صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالأسرى خيرًا)
 
وتجاوز ذلك كذلك .. فنهى عن التمثيل بالجثث، واحترم حتى القتلى، وأمر بدفنهم في ميدان الحرب، وعدم ترك جثثهم دون أن يواريها التراب، فقال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والمثله ولو بالكلب العقور)
 
وبهذا نرى الإسلام قد سبق كل القوانين الدولية المنظِّمَة للحروب والنزاعات، بل زاد عليها وارتقى .. مُعليًا شأنَ الإنسان في كل وقت وزمان وفي كل أرض ومكان عملًا لا قولًا .. وليس من العجب أن نرى الكثير من القوانين الجديدة لها أصل في الإسلام، فلم يأتِ الإسلام إلا لسعادة البشرية وتنظيمها وإرشادها ..
 
 
الاسم

الايميل

الدولة

نص التعليق