حرية الرأي
حرية الرأي: وتسمى أيضًا بحرية التفكير والتعبير، وقد أجاز الإسلام للإنسان أن يقلِّب نظره في صفحات الكون المليئة بالحقائق المتنوعة، والظواهر المختلفة، ويحاول تجربتها بعقله واستخدامها لمصلحته مع بني جنسه؛ لأن كل ما في الكون مسخر للإنسان، يستطيع أن يستخدمه عن طريق معرفة طبيعته ومدى قابليته للتفاعل والتأثير، ولا يتأتى ذلك إلا بالنظر وطول التفكير.
هذا. ولإبداء الرأي عدة مجالات وغايات منها:
ـ إظهار الحق وإخماد الباطل، قال تعالى:{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104] فالمعروف هو سبيل الحق، ولذلك طُلب من المؤمن أن يُظهره، كما أن المنكر هو سبيل الباطل، ولذلك طلب من المؤمن أن يُخمده.
ـ منع الظلم ونشر العدل، وهذا ما فعله الأنبياء والرسل إزاء الملوك والحكام، ويفعله العلماء والمفكرون مع القضاة والسلاطين، قال رسول الله e: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)(أخرجه أحمد وصححه الألباني).
ـ وقد يكون إبداء الرأي، بتقديم الأمور حسب أهميتها وأولويتها، وهذا أكثر ما يقوم به أهل الشورى في أكثر من بلد، وأكثر من مجتمع، وقد يكون بأي أسلوب آخر، إذ من الصعب حصرها، ولكنها لا تعني أن يخوض الإنسان فيما يضره، ويعود عليه بالفساد، بل لا بد أن تكون في إطار الخير والمصلحة؛ إذ الإسلام بتقريره حرية الرأي، إنما أراد من الإنسان أن يفكر كيف يصعد، لا كيف ينزل، كيف يبني نفسه وأمته، لا كيف يهدمها سعيًا وراء شهوتها وهواها.
وباستعراض التاريخ الإسلامي، نجد أن ((حرية الرأي )) طبقت تطبيقًا رائعًا، منذ عصر النبوة، فهذا الصحابي الجليل، حباب بن المنذر، أبدى رأيه الشخصي في موقف المسلمين في غزوة بدر، على غير ما كان قد رآه النبي e، فأخذ النبي e برأيه، وأبدى بعض الصحابة رأيهم في حادثة الإفك، وأشاروا على النبي e بتطليق زوجه عائشة – رضي الله عنها – إلا أن القرآن برأها، وغير ذلك من المواقف الكثيرة التي كانوا يبدون فيها آراءهم.