الديمقراطية
   مرات المشاهدة : 194
مبادئ القرن العشرين
الديمقراطية

الديمقراطية
 إن الإسلام الذي جاء في القرن السابع الميلادي، كان رائدًا من روّاد الفكرة الديمقراطية؛ فقد نادى الإسلام بالحرية والمساواة والعدل قبل أن تنادي الديمقراطية الحديثة بهذه المبادئ بكثير، وإذا كان ((روسّو)) قال في القرن الثامن عشر: إن الأفراد يولدون ويعيشون أحرارًا، فقد قال قبله بكثير عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"، وإذا كانت الثورة الفرنسية نادت بالمساواة والحرية، فقد جاء الإسلام يسوِّيْ بين الناس دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو اللغة قبل 1400 سنة، ودعا إلى التسامح في الحوار الديني. وأباح حرية الحوار والتعليم تمامًا قبل أن تنادي بذلك الديمقراطية الحديثة في القرن الثامن عشر وفي القرون اللاحقة.
وإذا كانت الديمقراطية الحديثة تؤكّد المساواة أمام القانون فإن الإسلام قد سبقها في إقرار المساواة أمام التكاليف العامة؛ حرصًا على مصلحة الجماعة، وحدد واجب توزيع موارد الدولة على الفقراء والمساكين وغيرهم من المحتاجين، وألزم الغنيّ مساعدةَ الفقير، وأدخل مبادئ العدالة الاجتماعية قبل أن تتعرّف الديمقراطية الحديثة إلى تلك المبادئ.
وإذا نادت الديمقراطية الحديثة بالعدالة فقد سبقها الإسلام إلى ذلك، والعدل في الإسلام عدل مطلق يطبَّق على النفس وعلى ذوي القربى، وإذا كان ((روسّو)) وضع نظريته القائلة بأن الحاكم يستمد سلطاته من الأمة نائبًا عنها نتيجة عقد حرّ بينهما، فقد أدرك فقهاء الإسلام قبل ((روسّو)) أن مبايعة الخليفة هي عقد حقيقي يربط الأمة بالحاكم ربطًا متينًا.
 
ولا يتوقف التوافق عند المبادئ والأهداف بل يتعداها إلى الوسائل أيضًا، فمؤسسة الشورى الإسلامية هي أقرب ما تكون إلى المؤسسة البرلمانية الحديثة، وإذا كانت النخبة الاجتماعية هي التي تتمتع بحق الاختيار وتحمل مسؤولية الشورى في الإسلام، فالنخبة البورجوازية كانت ولا تزال الدعامة الأولى للبرلمانات في الديمقراطية الغربية، وفكرة الشورى فكرة قابلة للتطور والتكيّف وفق الزمان والمكان.
وإذا كانت الديمقراطية الحديثة تسعى للحد من سلطة الحكام وتقييدهم بدساتير، فقد قامت الديمقراطية الإسلامية على دستور هو الشريعة الإسلامية، ومصادر هذه الشريعة كما هو معلوم هي: القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع، وإذا كان الشعب هو الرقيب على أعمال الحكّام في الديمقراطية الحديثة، فالأمة الإسلامية هي التي تراقب عمل الحكاموتحاسبهم، فإذا ساروا وفق الشريعة اطاعتهم ونصرَتهم، وإذا خرجوا على تلك الشريعة فلا طاعة لهم ولا نُصْرَة، بل خروجٌ وثورةٌ وعزلٌ.
وإذا كانت الديمقراطية الحديثة تقوم على فكرة فصل السلطات في الدولة كوسيلة ناجعة لمنع هيمنة سلطة على أخرى، فالإسلام أوجد هذا الفصل قبل مونتسكيو بقرون، فالسلطة التشريعية في الإسلام تكمن في مصادر الشريعة بالذات أي في القرآن والسنة والإجماع، والسلطة التنفيذية تكمن في مؤسسة الخلافة.
والخليفة لا يستطيع التشريع، بل إن سلطاته محصورة في إجراء وتنفيذ ما جاءت به الشريعة، لما فيه خير ومصلحة الجماعة الإسلامية، أما القضاء الإسلامي فقد تمتع باستقلال كبير؛ لأنه لا يستند في أحكامه على رأي القاضي بل على أحكام الشريعة الإسلامية.
وبالرغم من أن الإسلام جاء دينًا ودولة، إلا أن الخليفة لا يتمتع بسلطات دينية إلى جانب سلطاته السياسية، لقد أجمع فقهاء المسلمين أن للخليفة صلاحيات لا سلطات دينية، والسلطان الديني والسياسي في الإسلام لم يتحقق إلا مع النبي لضرورة قيام الرسالة؛ ولهذا فالحاكم في الإسلام هو: "حاكم مدني في جميع الوجوه".
وعَرَفَ الإسلام الانتخاب والمعارضة قبل أن تعرفها الديمقراطية الحديثة، واجتماع السقيفة كان في حقيقته مؤتمرًا سياسيًّا تَحاوَرَ فيه المهاجرون والأنصارُ حوارًا أشبَهَ بحوارِ الأحزاب في ندوة برلمانية ديمقراطية، وخرج منه المؤتمِرون بنتيجة أكدتها الأكثرية الساحقة، ولم يحاول ((الحزبان)) فرضَ آرائهما فرضًا، بل لجأ كل منهما إلى حُجَّة الإقناع المنطقي لما فيه خيرُ الأمة الإسلامية في انتقاء الرجل الذي يقود هذه الأمة بعد وفاة الرسول، ولم تختلف خطبة أبي بكر الأولى عن أي برنامج حزبي تَعْرِضُه حكومة برلمانية على الشعب فور تسلمها دفة السلطة، ثم تطلب على أساس هذا البرنامج ثقة المجلس النيابي.
ونلاحظ أن أهداف الديمقراطية الحديثة هي أهداف دنيوية تسعى إلى إسعاد جماعة الناس المقيمة في إقليم محدَّد وفي إطار قومي، أما الديمقراطية الإسلامية فتهدف إلى تحقيق غايات زمنية وروحية في آنٍ معًا، وهي في مداها تتجاوز الحدود الجغرافية والعنصرية، والغاية القصوى التي يهدف إليها الإسلام هي الآخرة، وما الحياة الدنيا سوى مَطية لهذه الآخرة.
 
الاسم

الايميل

الدولة

نص التعليق