حقوق الجار
أما السنَّةُ النبويةُ فقد استفاضت نصوصُها في بيان رعاية حقوقِ الجارِ، ومن أجلِّ تلك النصوص وأعظمها ما روته أم المؤمنين عائشة وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي r قال: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُه"(متفق عليه) أي: ظننت أنه سَيبْلُغني عن الله الأمرُ بتوريث الجارِ الجارَ).
حقوق الجار على وجه التفصيل كثيرة جدًّا، ولكن جاء عن رسول ما شملها، فعن عبد اللّه بن عمر- رضي اللّه عنهما- عن النّبيّrقَالَ: "مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ جَارِهِ مَخَافَةً عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَلَيْسَ ذَاكَ بِمُؤْمِنٍ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْجَارِ: إِذَا اسْتَعَانَكَ أَعَنْتُهُ، وَإِذَا اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِذَا افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَرِضَ عُدْتَهُ ، وَإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَإِذَا مَاتَ اتَّبَعْتَ جِنَازَتَهُ، وَلَا تَسْتَطِلُ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ تَحْجُبُ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِقُتَارِ رِيْحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا، وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فَأَهْدِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا، وَلَا يَخْرُجُ بِهَا وَلَدُكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ" (المنذري في الترغيب (3/ 357)، وانظر تخريجه في نضرة النعيم)
نستطيع اختصار حقوق الجار إلى أربعة رئيسة: أولها:
كف الأذى: فالأذى على كل أحد بغير حق محرَّم، وأذيَّة الجار أشد تحريمًا. عن أبي شُرَيح t، عن النبي r قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمـن جاره بوائقـه"(أخرجه البخاري).
وعن أبي هريرة t، عن النبي r: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره"( أخرجه الشيخان).
وعنه أيضًاt قال: قيل يا رسول الله r: إن فلانةً تصلي الليل، وتصوم النهار، وفي لسانها شيء يؤذي جيرانها سليطة، قال: "لا خير فيها هي في النار"(أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال الذهبي: صحيح).
حماية الجار: فمما ينبه لشرف همّة الرجل نهوضُه لإنقاذ جاره من بلاءٍ يُنال به في عرضه، أو بدنه أو ماله، أو نحو ذلك.
الإحسانُ إليه: فذلك دليل الفضل، وبرهان الإيمان، وعنوان الصدق. فعن أبي هريرة t عن النبي r أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره"( متفق عليه).
ومن ضروب الإحسان إلى الجار تعزيته عند المصيبة، وتهنئته عند الفرح، وعيادته عند المرض، وبداءته بالسلام، وطلاقة الوجه عند لقائه، وإرشاده إلى ما ينفعه في دينه ودنياه، ومواصلته بالمستطاع من ضروب الإحسان.
احتمال أذاه: وذلك بأن يُغْضيَ عن هفواته، ويتلقى بالصفح كثيرًا من زلاته، ولا سيِّما إساءةً صدرت عن غير قصد، أو إساءةً ندم عليها، وجاء معتذرًا منها؛ فاحتمالُ أذى الجارِ ومقابلةُ إساءتِه بالإحسان من أرفعالأخلاق، وأعلى الشيم. روى المرّوذي عن الحسن: ليس حسنُ الجوارِ كفَّ الأذى، حسنُ الجوارِ الصبرُ على الأذى.