موقف من الارهاب
عندما نتحدث عن الإرهاب، ينبغي علينا أن نعرفه أولًا، وإن كان مختلَفًا في تعريفه؛ فإني أظن أن التعريف الأكثر قبولًا هو: قصد إثارة الرعب بين أبرياء للحصول على مكاسب تخالف القيم الإنسانية والمبادئ العادلة.
وعلى هذا فلا تكون مقاومة الاحتلال ولا الدفاع عن النفس إرهابًا.
وحين ننظر إلى منهجية الإسلام في التعامل مع غير المسلمين ممن لم يعتدوا على المسلمين أو يخالفوا عهدهم معهم، وسنذكر نصوصًا من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، يمكن منهما ـ وبسهولة ـ استنتاج موقف الإسلام من الإرهاب في ضوء التعريف السابق.
قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(سورة النحل: 125).
وقال تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(سورة البقرة:256)
ففي الآيتين الكريمتين نجد الأمر المباشر بعدم استخدام القوة أو الإجبار لإقناع الناس، بل بالحُجَّة والمنطق الحَسَنِ، ومن شاء أن يقتنع فليقتنع، ومن لم يشأ فهو وما أراد.
ولم تخرج السنة النبوية عن ذلك، فمن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أثناء انطلاقهم للفتوحات الإسلامية:
"لا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا، ولا امرأة ولا كبيرًا فانيًا، ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقربوا نخلاً، ولا تقطعوا شجرًا، ولا تهدموا بناءً"[المغازي (2/757،758)]. كانت هذه وصاياه صلى الله عليه وسلم .. وتكفي هذه الوصايا لنعلم تمام العلم أن من يَقتلون الناس ويهدمون المدن والبناء باسم الإسلام اليوم هم أبعد ما يكون عن الأوامر الصريحة له صلى الله عليه وسلم.
قال أيضًا: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا" (أخرجه البخاري: 2930).
والمعاهد هو من بيننا وبينه عهد وسلام .. وليس عدوًا في ميدان حرب.
وفي خضم الفتوح الإسلامية لم يُجبَر أحد على الدخول في الإسلام، ولم يُقتل أحدٌ لأنه لم يَقبل الإسلام دينًا له، ويكفي مطالعة ما قام به عمرو بن العاص رضي الله عنه ـ عندما فتح مصر ـ مع الراهب بنيامين الذي كان فارًّا من بطش الرومان .. فقد أمَّنَه وأرجَعَه إلى كنيسته، وأعطاه كل الحرية في القيام بدينه، ولم يأمر بمحاكم تفتيش لتكشف عن غير المسلمين وتقتلهم كما حدث في إسبانيا، ولم يَقُمْ بحرب عالمية قضت على الملايين من سكان أوروبا لغرض التوسع وفرض الهيمنة .. ولم يُلقِ القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكي ليقتل الأبرياء، ولم يأمر باستحقار وقتل الهنود الحمر والسود على مدى طويل من الزمان .. ولم يقتل مليونًا في الجزائر؛ لأنهم أرادوا حريتهم، أو يسعَ إلى طمس ثقافتهم وتغيير دينهم بالقوة .. ولم يمنع الدواء والغذاء عن أطفال العراق باسم العقوبات، و ................. لم يفعل الإسلام مثل ذلك؛ لأن هذه الانتهاكات منهيٌّ عنها بنصوص صريحة.
يذكر التاريخ للإسلام أنه قابل الإساءة بالإحسان ... و نذكر من ذلك معاملة صلاح الدين للصليبيين بعدما استعاد القدس.. فلم يقتل منهم أحدًا، بل تركهم يرجعون إلى بلادهم، وأعطاهم الحق في الحج وزيارة أماكنهم المقدسة.. ولم يبادلهم مثلما فعلوا بالمسلمين عندما استولوا على القدس.
حتى في أثناء الحرب .. كان دين سلام، قال تعالى:{وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(سورة الأنفال: 61).
وهذا يكفي في بيان أنه دين سلام، وأن الحرب لم تكن فيه إلا لتدافع عن الحق، وترفع القهر والظلم عن المظلومين، وتتيح الفرصة لمن أراد الإسلام؛ فلا يمنعه ظالم أو مستبد، وهذا ليس إرهابًا.
لقد كان ومازال آمرًا بنشر السلام والعدل بين الناس جميعًا، لا يضره الفهم السقيم لبعضٍ من أبنائه، فهؤلاء القليلون لا يمثلون مليارًا ونصف المليار من المسلمين حاليًا ولا أضعافهم من المسلمين على مدى (1400عامًا) من السلام.