طريـق السعـادة
لكي يصل الإنسان إلى طريق السعادة، وبعد أن أدرك حقائق الوجود الكبرى، عليه أن يتطلع إلى الكشف عن الطريقة الصحيحة للتعامل مع المحاور الرئيسة لهذا الوجود، وهي:
الله عز وجل.
الإنسان.
الكون [1].
ونبدأ بالموجود الأول الذي تخضع له كل الموجودات، فبعد أن يتعرف الإنسان إلى الله سبحانه من خلال ما ورد عنه في كتابه الكريم وفي سنة رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم، أو من خلال الأدلة البرهانية التي أبدعها علماء الكلام بطريق المنطق والفلسفة؛ فإنه سيستنتج بالبداهة حقيقة الوجود الأولى، وهي أن السعادة في الدارين مَنوطة برضاه تعالى والامتثال لأوامره والوقوف عند حدوده .
أما المحور الثاني: وهو الإنسان، فلعله من أكثر الألغاز استغلاقًا على العقول منذ القِدم، و القرآن الكريم قد وضع للإنسان منهجًا متكاملًا؛ ليتبصر ذاته عبر إدراكه للحقيقتين التاليتين:
1- أنه مخلوق ضعيف، أصله من تراب وماء مهين، ومصيره إلى جثة هامدة، وهو فيما بينهما يحمل النجاسة في جوفه، ويستقذر كل ما يخرج من بدنه، يقول الله تعالى:{قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} (سورة عبس: 17- 21).
2- أنه مع ذلك مُكرَّم على سائر المخلوقات الأخرى[2]، فقد أسجد الله الملائكة لجده آدم، وسخّر له الأرض والدوابّ، وأكرمه بالعقل الذي صنع به المعجزات، قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(سورة الإسراء: 70).
فجوهر الإنسان إذنْ لا يمكن فهمه إلا بتصور هاتين الحقيقتين معًا، وإذا أخلَّ الإنسان في إيمانه بشرط التوازن بين الحقيقتين، فإما أنْ ينصرف ذهنُه إلى حقيقته الأولى فلا يرى من نفسه إلا جسدًا قذرًا شهوانيًّا لا هدف له ولا غاية، فيُقبِلُ على ملذاته كالبهائم حتى يقضي على نفسه بإذلالها كما هو حال الماديين (الماركسيين) الذين لم يروا في الإنسان أكثر من آلة، أو أن تطغى على فكرِهِ الحقيقةُ الثانية فتؤدي به إلى التكبُّر والتألُّهِ كما هو الحال عند الوجوديين[3].
وبعد أن يدرك الإنسان حقيقة وجوده، تتطلع نفسه للتأمل في كُنْهِ الحياة التي جُبل على التعلق بها، فهي الأساس الذي تقوم عليه كل ملذات الدنيا ومباهجها، وعليها يقوم الأمل في تحصيل ما ترغب فيه النفس وتميل إليه، وإذا عاد مرة أخرى إلى القرآن الكريم ليستشف منه تعريف الحياة فسيجد نفسه أمام منهج تربوي كامل يقوم على محورين:
الأول: أن الحياة ليست إلا جسرًا تمر عليه الكائنات في طريقها نحو الآخرة، وأن هذه الدنيا في قِصَرِها وسرعةِ زوالها لا تساوي شيئًا يُذكَرُ في جنب الخلود الذي سيَعْقُبها، قال تعالى:{وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(سورة العنكبوت: 64).
أما المحور الثاني: فهو مكمل لهذا الأول، إذْ يعمل على إعادة التوازن لهذه الرؤية، فلا تهون الحياة في نظر الإنسان، ولا ينصرف عن إعمار الأرض بالعلم والعمل إلى التقشف وانتظار الموت. قال تعالى:{هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (سورة هود:61)، {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (سورة القصص: 77)،{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}(سورة النحل: 97). وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ"(أخرجه البخاري: 1625)، كما أعلن أن زوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم.
وبهذه الرؤية المتكاملة تغدو الحياة في نظر المسلم كنزًا ثمينًا يتوجب عليه استثماره، وبهذا الفهم يخوض المسلم غمار الحياة بملذاتها واثقَ الخُطَى، بعد أن استيقن أن كل ما ملكه فيها غير باق، فهو إذن في سعي دائم للاستمتاع بها دون إسراف، مع إيمان داخلي بأن ما امتلكه منها في قبضة يده وليس في قلبه {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}(سورة الحديد: 23)، وهكذا فهم السلف الصالح الزهد بأنه قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباء[4].
وبهذا ينتقل المسلم في تأمله إلى المحور الثالث والأخير في فهمه للوجود، وهو الكون الذي يحوي كل الكائنات المحيطة به، ويبدأ التأمل فيه من قوله تعالى:{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ (سورة يونس: 101)، ثم يمضي في دراسة عشرات الآيات التي تدعوه للتفكر في خلق الله وبديع صنعه؛ ليخرج منها بنتيجة مشابهة للتي حصل عليها من تأمله السابق في حقيقة وجوده وحياته، وسيكتشف أن فهمه للكون يجب أن ينطلق أيضًا من إدراك حقيقتين متكاملتين:
الأولى.. حقيقة أن الله تعالى قد سخّر له معظم ما يحيط به من كائنات، إذ إن تفضيله عليها ليس مقتصرًا فقط على تمتعه ببعض الميزات، بل يعدوه إلى تسخير هذه الكائنات لخدمته وتحقيق رفاهيته، قال تعالى:{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(سورة لقمان:20).
أما الحقيقة الثانية فهي: أن الكون لم يكشف للإنسان كل أسراره بعد، فعلى الرغم من التسخير والتمكين إلا إن طائفة أخرى من المكوَّنات ما زالت غائبة عن إدراك الإنسان أو خارجة عن سيطرته.
وبهاتين الحقيقتين تتكامل رؤية المسلم للكون المحيط.
النتيجـة
بهذا الإيمان يتصالح المسلم مع خالقه ونفسه والكون الذي من حوله، فهو مدرك أولًا لحقيقة عبوديته لله تعالى، وقائم بما يلزم عنها من واجبات، ومدرك ثانيًا لقيمة نفسه كمخلوق أكرمه الله بتسخير الكائنات له، وأنه قد هبط إلى الأرض ليمتحن فيها قبل أن يعود إلى الجنة التي خُلقت له، فهو مكلف بإعمار هذه الأرض:{هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}(سورة هود: 61)، ومكلف أيضًا بترويض نفسه بالأخذ من الشهوات ضمن قيود الشرع وحدود الحاجة.
فإذا انتهينا إلى هذا الفهم المتكامل للخالق سبحانه وللنفس والكون، فقد حقّ لنا الآن أن نتساءل عن النتيجة العملية التي يمكن أن نجنيها من تطبيق هذا المفهوم، ولعل خير إجابة عن هذا السؤال تتلخص في استقراء الواقع الذي عايشه أشخاص سبق لهم أن طبّقوه، ولن نجد مثالًا أفضل من الصحابة رضي الله عنهم.
لقد نشأ الرعيل الأول من أمة الإسلام على تربية قرآنية فريدة، فهي لا تقتصر في عرض المفهوم الشامل للوجود -السالف بيانه- على الجانب الفكري فحسب، بل تخاطب كلًا من العقل والوجدان في تناسق بديع معجِز، وقد لخص أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا المنهج في وصيته لخليفته عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: "ألم تر يا عمر، إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، ونزلت آية الشدة مع آية الرخاء، ليكون المؤمن راغبًا راهبًا، لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه" [5]، فكان الصحابة يقرؤون القرآن على حال من الرغبة والرهبة، وقلوبهم تتفطر شوقًا إلى لقاء الله وخوفًا منه في آنٍ معًا[6]. وكان القرآن الكريم يتنزل تَبَعًا لتدرجهم في هذه التربية.
أما اليوم، فلن نفاجأ كثيرًا بنتائج الاستقصاء الذي أجرته مجلة النيوزويك الأمريكية حول أكثر شعوب العالم سعادة، ........ ولكننا قد نقف طويلًا أمام اعتراف معظم الأمريكيين المستجوبين في التقرير بأن السعادة لا تتعلق بالغنى والمال[7]، وهو ما يبدو مستغربًا في مجتمع براغماتي قام في تأسيسه على أكثر أشكال الرأسمالية تطرفًا. الأمر الذي دفع المجلة ذاتها فيما بعد لتقصي ظاهرة عودة الدين للانتشار في الولايات المتحدة[8]، لتدور التساؤلات من جديد حول السعي اللاهث للأمريكيين في البحث عن السعادة، عبر وصفات التأمل العابرة، والتي تؤخذ كجرعات لعلاج النفوس المتعبة.
أما التساؤل الذي لم يتجرأ أحدهم على طرحه فهو: ماذا عن العلاج المتكامل الذي يفي بحاجات كل من الروح والجسد والمجتمع عامة في تناسق تام ويهدي الإنسان إلى طريق السعادة الحقيقية في هذه الحياة، ثم يضمن له السعادة الأبدية في ما بعدها؟
هذا هو السؤال الذي ما زال الإنسان مُصرًّا على التفلسف حوله، وبعيدًا عن مصدره الأصيل. قال تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهُمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (سورة يس: 30).
أحمد دعدوش
-----------------------------------------------------
[1] هذا التصنيف مأخوذ بتصرف عن كتاب منهج الحضارة الإسلامية في القرآن الكريم للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فيرجى الرجوع إليه للاستزادة.
[2] يرى جمهور العلماء أن الإنسان مكرم حتى على الملائكة، انظر شرح العقائد النسفية ص 501
[3] قد يظن القارئ لفكر الوجودية للوهلة الأولى أنها كرّمت الإنسان بجعله محور الوجود، وبقصرها للحقيقة على الإنسان وحده، بل على الفرد بحد ذاته، ولكني أرى أن تطرف هذا الفكر عند سارتر وأتباعه قد أدى إلى النقيض، وذلك بانطلاق سارتر في فلسفته من منح الفرد حريته المطلقة، مما أدى به إلى الاعتراف بأن الوجود الإنساني ليس إلا مأساة، وأن حياته مجرد عبث تتصارع فيه الظروف القاسية مع الحرية التي لا تعترف بالقيود مما يؤدي إلى الصراع النفسي الذي عايشه كل الفلاسفة الوجوديين الأحرار وفاضت به آدابهم من أمثال سيمون دوبوفوار وأندريه جيد وفرانسواز ساغان، ولعل كتاب (الغثيان) لسارتر يغني عن الشرح.
[4] هذه المقولة للتابعي الجليل سفيان الثوري.
[5] الجاحظ، البيان والتبيين، 2/45
[6] لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع، انظر كتاب: منهج تربوي فريد في القرآن، د. محمد سعيد رمضان البوطي، مكتبة الفارابي، ط1، ص 61 وما بعدها.
[7] نيوزويك، الطبعة العربية، 3/8/2004، ص 58
[8] نيوزويك، الطبعة العربية.