الإسلام و تنظيم الدولة
اهتم الإسلام بقوة الدولة ومكانتها، ورأى أساسًا لها أن تقوم على العدل.. ولم يصبغ الإسلام الدولة بصبغة معينة لا تتزحزح عنها .. إنما كان مرنًا، وحَدَّدَ أُطُرًا وأهدافًا وضوابط .. طالما توافرت في نظام كان مقبولاً ومُوافَقًا عليه إسلاميًّا..
تنظيم الدولة الإسلامية على مدى عصورها كان سَبَّاقًا في أمور ونواحي كثيرة .. فنرى أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم المدينة أقر دستورًا ـ بالمفاهيم الحالية ـ يسوِّي بين الجميع في الحقوق والواجبات، سواء كان للمسلمين أو اليهود، قام هذا الدستور على العدل ووافق عليه الجميع فيما يشبه التصويت والاستفتاء الذي يحدث الآن..
وفي عهد الخلفاء الراشدين اتخذت الدولة الإسلامية مَنْحًى متطورًا بشكل أكبر، وأفادت من خبرات البلاد المحيطة وابتكرت ما يناسبها .. وكانت مثالاً للعدل والقوة والوحدة ..
نظَّم الخليفة عمر بن الخطاب الدولة الإسلامية بشكل أكبر .. فاهتم بالقوانين الإسلامية ونظم القُضاة وخصصهم للقضاء، وحقق استقلال القضاء .. وأنشأ نواة لجهاز الشرطة فيما سمي بداية بالعَسَس الليلي، وهو ما وسَّعَه ـ لما يشبه الشرطة حاليًا ـ الخليفة الرابع علي بن أبي طالب .. وقام عمر رضي الله عنه بتقسيم البلاد إلى ولايات، يقوم عليها وُلاة لهم صلاحيات الخليفة.. واختارهم من الأكْفَاء، وحرص على مراقبتهم ومحاسبتهم بشكل صارم؛ تنظيمًا للدولة وحماية لها ..
ونظم الموارد المالية والعطاء من بيت مال المسلمين، وجعل ما يُؤخَذ من زكاة وخَرَاج وغيرها مُنفَقًا على البلاد فيما تحتاج إليه.. فيما يشبه وزارة المالية أو الخزانة حاليًّا .. ونظم أمور الجيش مستعينًا بخبرات البلاد التي فتحها المسلمون؛ فأنشأ ديوان الجند مرتبطًا بشئون الجيش ورواتب الجند وأنشأ قواعد عسكرية ومدنًا جديدة في أنحاء البلاد ..
كما قام الحكم الإسلامي على العدل ونبذ العنف والعصبية ومحاربة الجهل والبطالة .. واهتم بالكتاتيب وهي نواة للمدارس النظامية في العصر اللاحق .. وقدَّم العلم والمتعلمين في أمور الدولة ..
وتطور الأمر في الدولة الأموية والعباسية، وكلاهما كان عظيم زمانه في التنظيم والتقدم وتخطيط الدولة في وقت انغمست فيه أوروبا، فيما سموه لاحقًا بعصور الظلام .. حيث ظهرت الثيوقراطية .. وجُعلت السلطة في يد البابا والكنسية وأمور الدولة في يد رجال الدين الذين يتصرفون بأوامرَ مقدسةٍ!
فتطور نظام الزكاة و النظام الاقتصادي بشكل عام وأصبحت إدارة الموارد المالية أكثر احترافية، واتسعت السياسة والاتفاقات المشتركة مع الدول المحيطة .. وظهرت دواوين ووظائف جديدة كالحِسبة وديوان المظالم وغيرها ..
وفي عهد الدولة العثمانية .. اتخذت الدولة الإسلامية طابَعًا حديثًا كانت فيه لمدة طويلة محلّ ملاحظة، تتعلم منها الدول المحيطة.. ويكفي النظر إلى ما قام به الخليفة العثماني سليمان القانوني .. الذي نظم أمور الدولة تنظيمًا رائعًا لمدة تطول قرونًا بعد موته .. حتى سماه الفرنجة سليمان العظيم .. و أُطلق عليه لقب "القانوني" نسبة للقوانين التي نظمها وصاغها للدولة، ولعدالته والتزامه بها .. ولم يكن عهد القانوني العهد الذي بلغت فيه الدولة أقصى حدود لها من الاتساع، وإنما هو العهد الذي تمت فيه إدارة أعظم دولة بأرقى نظام إداري ..
وهكذا نرى أن الإسلام متمثلاً في الدولة الإسلامية على مدى عصورها كان نظام إدارته وتنظيمه للدولة ديناميكيًّا متواكبًا مع العصر الذي هو فيه، متفقًا مع ما فيه مصلحة البلاد ويوافق الشرع .. ولم يتضاد الاثنان أبدًا، وكان نتيجة ذلك الوجود القويّ والمميز للدولة الإسلامية في عصور مختلفة وأزمنة متغيرة كانت فيها مَنارًا يُحتذَى.