الإسلام والوسطية
بداية .. مفهوم الوسطية هو التوسط بين متقابلين أو متضادين، حيث لا إفراط ولا تفريط.
من هنا يمكننا أن نبدأ في الحديث عن الإسلام وعلاقته بالوسطية..
ففي الناحية العقائدية و الفكرية: الإسلام دِينٌ وسطٌ فلا هو مُوغِلٌ في الروحية ونبذ الدنيا والاعتقاد بلا تفكير، ولا هو مُغْرَمٌ بالدنيا وأمورها؛ فكان وسطًا بين من لا يؤمنون بإله أبدًا وبين من يؤمنون بتعدد الآلهة حتى عبدوا كل شيء كالبقر!
وكذلك تتجلى وسطية الإسلام بين من رفعوا الإنسان إلى مرتبة الألوهية، وبين مْن حَطُّوا مِن قَدْره وجعلوه أسيرًا لفلسفات قهرية تَحُطُّ مِن قدْره وقيمته.
في الناحية الأخلاقية و التشريعية ..
تعامل الإسلام مع الإنسان بوسطيّة تامة .. فلا هو تعامل معه على أنه من الملائكة؛ لا يُخطئ ولا يُذنب، ولا تعامل معه على أنه حيوان يسعى لإشباع غرائزه دون محتوى روحي حقيقي، بل تعامل معه على أنه مُرَكَّب من العقل والروح وكذلك الشهوة والاحتياج، وعلى هذا بُنِيَتِ التشريعاتُ الإسلامية والأحكام الإلهية.
حتى في شأن العبادات راعى التدرج في التحريم .. مثلما حدث في تحريم الخمر إذْ جاء تحريمها تدريجيًّا ... وراعى ذلك في كل العبادات، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً(حماسًا ونشاطًا)، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً (برودًا وعجزًا)، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ"
(أخرجه الترمذي برقم: 2377).
وراعى قدرة الإنسان وضعْفه البدني والنفسي أحيانًا .. فرأف به ورحمه وأعطاه مدى واسعًا يمكِّنُه من أن يَعبد الله فيه؛ فقال صلى الله عليه و سلم: "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (أخرجه مسلم برقم: 4348).
وأعطاه الأمل في العفو إنْ قصَّر أو أخطأ .. بل فتح باب التوبة على مصراعيه أمام الجميع لعلمه بنفس الإنسان التي قد تخطئ؛ فقال تعالى: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (سورة الزمر:53).
ومن هنا نرى أن الأوامر الإلهية في الإسلام ليست جامدة، إنما هي تشريع من عند الله تعالى، يحمل ثوابتَ لا تتبدل (وهي قليلة) ومتغيرات مَرِنَة (وهي كثيرة جدًّا)؛ لتوافق ضعف الإنسان، الذي تعتريه حالات متغيرة من النشاط والكسل والصحة والمرض والقدرة والعجز، والفراغ والانشغال، والإقبال على العبادة والرغبة عنها أحيانًا، إلى غير ذلك من اختلاف الأحوال.
وهذه المرونة التشريعية مما يتميز به الإسلام، وهي من نقاط قوته وبقائه على مدى الأزمان ولكل الأمم.
فالعدل والاستقامة والخيرية والاعتدال والقصد والفضل والرحمة ـ التي هي أوجه الوسطية ـ أمور تتجلى ـ كاملةً ـ في الإسلام وأحكامه بكل وضوح لمن يرغب في أن يدرس ويعرف ويتبصر.
ومن هنا نستطيع أن ندرك فضل الله علينا ونعمته، قال تعالى:
"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"(سورة البقرة آية: 143).