أخلاق الإسلام في القرآن الكريم
يُعَدُّ تمام الأخلاق غرضًا أساسيًّا من أغراض الرسالة والدعوة الإسلامية، إذ جاء الإسلام لإصلاح حياة المجتمعات والأمم، وهذا لن يتم إلا بالتزام جميل الأخلاق كلها.
قال صلى الله عليه و سلم: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَق"(أخرجه البيهقي برقم: 20517، وصححه الألباني في الصحيحة).
واختلف الإسلام عن غيره في نظرته إلى الأخلاق؛ فأخرجها من الإطار النظري الذي كان مبعث الالتزام به هو الضمير الشخصي والخوف من المحاسبة المجتمعية أو القانونية، إلى أن يصبح مبعثها هو الاعتقاد في الحساب أمام الله تعالى الذي يعلم ما في السر والعلن، وأن هذه الأخلاق يُثاب عليها الإنسان بعد موته، وليست فقط وسيلة لإصلاح حياته.
الحديث عن أخلاق الإسلام يستدعي ذكر بعض هذه الأخلاق الحميدة، وكيف أوضحها الإسلام وأبرز أهميتها.
حثَّ الإسلام على الالتزام بمعاملة اليتيم معاملة حسنة وتأدية حقه إليه، وعلى الإحسان للفقراء والمحتاجين وعدم إيذائهم ولو بالقول، كما حث على شكر الله تعالى على نعمه وتقدير هذه النعم، قال تعالى {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث} (سورة الضحى الآيات: 9-11).
ففي سورة الإسراء أنزل الله تعالى دستورًا أخلاقيًّا للناس، فامتلأت آياتها بالوصايا الأخلاقية العظيمة، نورد منها:
أمره تعالى ببر الوالدين والإحسان لهما
قال الله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(سورة الإسراء: 23-24).
وأمر بالإحسان إلى الأقارب وأداء حقوقهم المادية والمعنوية، وأقر حقوقًا للمساكين وأبناء السبيل (المسافرون الذين انقطع بهم الزاد والمؤونة)، ونهى عن خُلق ذميم ـ وهو التبذير ـ أشد النهي، قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} (سورة الإسراء: 26-27).
وفي الوقت نفسه نهى عن البخل والإسراف وأمر بالتوسط في الإنفاق، فقال تعالى:{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}(سورة الإسراء: 29).
ونهى عن خُلُق ذميم شاع في القديم، وهو قتل الأولاد مخافة الفقر، وبَيَّن أن الله تعالى هو الخالق الرازق، ونهى أشد النهي عن الوقوع في الزنا أو حتى الاقتراب منه، فقال تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (سورة الإسراء: 31-32).
ونهى عن قتل النفس أو الآخرين بغير حق .. وعن أكل مال اليتيم بغير حق، أو إتلافه أو إهماله وتضييعه، وأمر بالوفاء بالعهد وإيفاء الكيل والميزان دون نقص أو غش، فقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(سورة الإسراء: 33-35).
ونهى عن التكبر والفخر بالنفس والغرور والتعالي، فقال تعالى:{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} (سورة الإسراء: 37).
كانت هذه الوصايا العظيمة في صفحة واحدة من سورة واحدة .. وإنها لتستحق أن تُحفَظ بماء الذهب في دساتير الأمم لا تتجاوزها أو تَحِيْدَ عنها.
ولم تقف الوصايا والأوامر في القرآن الكريم عند هذا الحد .. بل تنوعت وتوسعت في آيات أخرى من القرآن الكريم، فتحدث عن آداب الاستئذان في سورة النور، وأمر بالأدب والتزام الصدق ونهى عن النميمة والغيبة وإطلاق الألفاظ والألقاب القبيحة في سورة الحجرات، وأمر بالإيثار والتضحية في سورة الحشر، ونهى عن الهمز واللمز وغير ذلك من الأفعال السيئة، ونهى أشد النهي عن الخيانة بأنواعها، وأمر بالحرص على العزة و الكرامة الإنسانية.
كذلك دعا الإسلام إلى التزام السلام دائمًا والصبر والتحمل، وأمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفُحْش وقول المنكر والظلم، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (سورة النحل:90).
فشَمِلَ الإسلام ُالعظيم الأمرَ بكل خير من الأفعال والأقوال، والنهيَ عن كل مذموم ومكروه في سبيل إصلاح الأفراد والمجتمعات والأمم.
إن الحديث عن الأخلاق في القرآن الكريم حديث لا ينقطع؛ فهو يحتاج إلى أن تؤلَّف فيه الموسوعات، وأن يداوم فيه الباحثون نشاطًا كبيرًا؛ عَلَّهم يحصرونها أو يَصِلُونَ إلى آفاق فلسفتها وأثرها على الأفراد والأمم والمجتمعات.