اختلاف مفهوم السعادة والكمال
كل فرد من أفراد النوع الإنساني ينشد الكمال، ويحرص على السعادة، ويحاول الوصول إليها بكل سبيل، ولكن فهمهم لها يختلف اختلافًا كبيرًا:
فمنهم مَن يرى أن السعادة المنشودة محصورة في التمتع باللذائذ المادية والنعم الظاهرة، ومنهم مَن يرى حقارة هذه اللذائذ، وأن السعادة هي الخروج عن دائرة الفطرة البشرية بتحريم الطيبات والانقطاع عن الدنيا.
وكل فريق من الفريقين مُخطِئ في فهمه لمعنى السعادة والكمال الإنساني، ومُجانِبٌ للحق والصواب؛ لأن فَهْمَ كلٍّ منهما لا ينسجم مع الحياة ولا يَتَّسِقُ مع ما خُلِق له الإنسان من تحقيق الخلافة في الأرض.
فالفريق الأول: الذي يُؤْثِر الدنيا ويحرص على لذائذها، يَفْسَدُ خُلُقُهُ وتَضْعُفُ إرادته ويَضطَرِبُ أمره؛ ولهذا كره اللهُ تعالى هذا السلوك، ووصفه بالكفر والضلال، وشبّهه بسلوك الأنعام التي لا تعقل معنى الوجود ولا تفهم قيمة الحياة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} (سورة محمد، آية: 12).
وأما الفريق الآخر: فإنه فريق انعزالي يقف من الحياة والوجود موقفًا سلبيًا، يحرم على نفسه الطيبات والمُتَعَ الحلال التي خلقها الله لعباده؛ وقد خاطب الله هذا الصنف من الناس، وَعَدَّ فِعْلَهُمْ هذا اعتداءً، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} (سورة المائدة الآيتان: 87، 88).
وسلوك هذا الفريق من شأنه أن ينقل قيادة الحياة إلى الأشرار فيوجهوها وَفْقَ أهوائهم ورغباتهم، وفي ذلك فساد الدين وضياع الدنيا.
- فكرة الإسلام عن مفهوم السعادة والكمال
يرى الإسلام أن الإنسان خليفة الله في الأرض، وأن عليه القيام بواجبات هذه الخلافة، وأنه جسد وروح، وأن الجسد ليس عدوًا للروح ولا سجنًا لها، وإنما هو أداة لها من أجل القيام بهذه الواجبات، وأن الدنيا دار عمل وميدان كفاح، وليست دار تعذيب أو شقاء، وأن على الإنسان أن يُظهِر مواهبه بالجِدِّ والسعْي، والكدح والكفاح في كل ميدان من ميادين النشاط الإنساني: قال الله تعالى مبينًا السبب من وراء خلق الناس والموت والحياة والحساب والجزاء والجنة والنار، وهذا السبب هو:{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (الملك آية: 2).
وإحسان العمل يتلخص في أن يحسن الإنسان صلته بالله عن طريق العقيدة والعبادة، ويحسن صلته بالناس عن طريق الخُلق الحَسَن والبر؛ ليحقق بذلك كماله الروحي والإنساني، بالإضافة إلى استخراج كنوز الأرض والانتفاع بالقٌوَى المبثوثة في الكون، وإصلاح النظام المعيشي لتحقيق الكمال المادي.
اهتمام الإسلام بضرورات الإنسان وحاجاته المادية
لهذا يُعنى الإسلام بكسب المال وتحصيله، حيث هو عصب الحياة وقِوَامها، فأمر الله تعالى بالسعي في طلبه، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (سورة المُلْك آية: 15).
بل أمر الله تعالى بالجِدّ في السعي في طلب الرزق عقب العبادات؛ لئلا يتكاسل المسلم بحُجة أنه في كان عبادة، وكأن السعي في طلب الرزق ـ في نظر الإسلام ـ نوع عبادة كذلك، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ}(سورة الجمعة الآيتان: 9 ، 10).
وأوجب المحافظة على تلك الأموال سواء كانت عقارًا أو ذهبًا أو فضة أو غير ذلك، فقال: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}(سورة النساء آية: 5).
كما اهتم الإسلام بتوفير الحاجات الاستهلاكية، من الغذاء والكساء والمسكن، وما لا غنى للإنسان عنه؛ ليعيش حياة كريمة.
وأمر بالأكل من الطيبات، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً}(سورة البقرة الآية: 168).
واستنكر القرآنُ على مَن يُحرمون طيبات ما أحل الله، ويمتنعون عن التمتع بزينة الحياة الدنيا، فقال تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ..}(الأعراف آية:32).
وأمر الإسلام بالزواج وعَدَّهُ آيةً من آياتِهِ، فقال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (سورة الروم آية:21).
لأن حياة الإنسان لا تستقيم إلا بالزواج؛ فهو من متطلبات الحياة الإنسانية.
والمرأة الحسناء لا يُزْهَدُ فيها مهما غَلا مَهرُها، لما في الزواج بها من تكميل المرء لدينه، على أن تكون صالحة؛ كي تَسُرَّ عين زوجها بجمالها وقلبه بكمالها.
ويُرَغِّبُ في إقامة الدُّور والمساكن التي تحتوي جميع المرافق والأثاث، ما دام لم يُقْصَدْ بها المُباهاة والمفاخرة، وبذلك تتسع دائرة العمران، ولا بأس بتزيينها وتجميلها؛ فإن طلب الزينة والجمال مقصود حسنٌ في ذاته، والنفس التي لم تَفْسَدْ فطرتُها تعشق الجمال وتتلذذ به.
أما الآثار التي وردت في كراهَةِ رفْع البُنيان وزخرفته فليست على إطلاقها، وإنما المقصود بها كراهة ذلك إذا قُصِدَ بها المفاخرة والمباهاة والتطاول على الناس، لا مجرد التلذذ بالجمال والزينة؛ فإنهما مطلوبان في كل حال.
إن الحرص على الجمال والسعي إلى الحصول عليه مِمَّا يُحبِّبُ فيه الإسلام ويدعو إليه، حتى يشعر الإنسان براحة نفسية من جانب، ويحتفظ بكرامته فلا يُستخَفُّ به ولا يَنزِلُ عن مكانته التي هو أهلٌ لها من جانب آخر،
وكثيرًا ما يلفت القرآن نظر الإنسان إلى الجمال في الكون والطبيعة والأشياء المحيطة به: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} (سورة الحجر آية: 16).
والله سبحانه وتعالى يحب الجمال في كل شيء، قَالَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ"(أخرجه مسلم برقم: 131)، يحب جمال الأقوال، وجمال الأفعال، وجمال الصفات، وجمال الأسماء، حتى جمال الثياب ... فَعَنْ أَبِى الأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم- فِى ثَوْبٍ دُونٍ فَقَالَ: "أَلَكَ مَالٌ"؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: "مِنْ أَىِّ الْمَالِ"؟ قَالَ: قَدْ آتانيَ اللَّهُ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ: "فَإِذَا أَتَاكَ اللَّهُ مَالاً فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ". (أخرجه أبو داوود برقم: 3541، وقال الألباني: صحيح).
وصح عن رسول الله قوله: "إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ" (أخرجه أبو داوود برقم: 3566، والحاكم وقال صحيح وأقره الذهبي، وقال النووي: إسناده حسن).
والحديث يشير إلى أن المسلم شخصية فذة ممتازة، فكما طُلِب منه أن يُطهِّرَ باطنه بالإيمان بالله والارتباط به، طُلِب منه أن يكون مظهره أنيقًا، بحيث يسترعي انتباه الناس في ملبسه ومركبه وأثاث بيته، وحتى يكون فيهم كأنه شامة بينهم.
الدنيا التي ذمها الإسلام
ولا يدخل في هذا الاستمتاع طلب الدنيا رغبةً في التفاخر والتكاثر، والترؤس والعلو على الناس دون كفاية أو إرادة نصرة الحق، فطلب الدنيا لهذه الأغراض يُفسِد على المرء دينه، بل ويفسد الحياة جميعًا؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ" (أخرجه الترمذي برقم: 2298، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).
لذلك فالفوز في الآخرة لمن طلب الدنيا ليعمر بها آخرته، ويستمتع بها بلا كبر أو مفاخرة أو فساد في الأرض، يقول الله تعالى:{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (سورة القصص آية: 83).
فإن أراد بالمال والشرف نصرة الحق أو الوجاهة؛ ليأخذ مكانته التي تليق به، أو كانت له كفاية(خبرة وكفاءة في مجال مّا)؛ فإن حب الشرف والمال وطلبهما حسن؛ فقد قال يوسف (عليه السلام) للمَلِك:{اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (سورة يوسف آية: 55).
الغاية من طلب الدنيا
مع هذا ينبغي الحذر والتوقي عما يلهي النفس ويصرفها عن غايتها المثلى من الطهارة والنظافة وفعل الخير ونصرة الحق، أو ما ينحرف بها عن معاني الخير إلى رذائل الأخلاق ومساوئ الصفات، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(سورة المنافقون الآيات من: 9-11).
طلب الدنيا لا ينافي الزهد
وطلب الدنيا على الوجه المحمود الذي ذكرناه لا يتنافى مع الزهد؛ لأن الزهد ليس في تحريم زينة الله التي أخرج لعباده، ولا في ترك الطيبات من الرزق، وإنما الزهد الذي أراده الإسلام هو الزهد في الحرام، والزهد في الشبهات، والزهد في التوسع في اللذائذ والشهوات التي تصرف الإنسان عن واجباته الشخصية والاجتماعية، وتُنسي المرء واجبه نحو ربه ونحو أسرته ونحو بني جنسه.
والزهد بهذا المعنى يريح القلب والبدن، ويُكسِبُ محبة الله ويَجلب مودة الناس.