مكانة مريم عند المسلمين
تتبوأ مريم عليها السلام مكانة عظيمة في قلوب المسلمين ونفوسهم، ولها شرف عظيم ودرجة عالية في دينهم، ولم يتحدث عنها القرآن الكريم والسنة النبوية إلا بكل احترام وتكريم؛ فهي المرأة العظيمة التي اصطفاها الله قبل أن يخلقها لتخدم بيت الله وتلد نبيًّا عظيمًا بمعجزة إلهية قريبة من الخيال، يقول تعالى عن مريم البتول:
{إِذْ قَالَتْ اْمرَأةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِيْ بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(سورة آل عمران 35)، ثم قال سبحانه: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} (سورة آل عمران: 37)، وقال تعالى: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اْصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاْصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينْ} (سورة آل عمران: 42).
فهذه الآيات وغيرها تُظهِر مكانة هذه المرأة المباركة عند المسلمين، فهي مُصطفاة مُطهّرة من الله اصطفاها. لا على نساء عصرها فحسب، بل على نساء العالمين جميعًا.
ومن مكانة مريم عليها السلام عند المسلمين أن الله ذكرها كثيرًا في القرآن الكريم، إذْ ذكرها باسمها الصريح أربعًا وثلاثين مرة، دون أن يذكر غيرها من النساء بصريح الاسم، بل سمى القرآن الكريم سورة من سُوَرِهِ باسمها، وهي المرأة الوحيدة التي سُميت باسمها سورة في القرآن الكريم، وهذا دالّ على عِظَم مكانتها، وعلى صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذْ لو كان القرآن من عنده لتحدث عن بناته أو زوجاته ولسَمّى إحدى السور باسم إحداهن.
وآيات القرآن الكريم عامّةً وآياتُ سورة مريم خاصةً تحدثت عن هذه المرأة بكل احترام وتكريم، مدافعةً عنها ومبرئةً لها من أيّ تُهمة أو مَنقَصَة يريد أعداؤها إلصاقها بها، فهي الشريفة الطاهرة العفيفة التي أحصنت فرجها وحافظت على عرضها وأطاعت ربها؛ فكانت من القانتين، قال تعالى: {وَمرْيم اٌبْنت عِمران التِيْ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيْهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ}(سورة التحريم: 12).
وحينما تحدثت آيات سورة مريم عن ولادتها لهذا النبي العظيم عيسى عليه السلام، تحدثت عنها بكل احترام وتوقير بل وبكل وضوح، وأن كل ما جرى كان بوحي من الله إلى البشر، وبرعاية وعناية منه سبحانه، بل دافع الله عنها من اتهام الأعداء لها دفاعًا فاجَأ الجميع من أحبابها وخصومها على لسان ابنها الرضيع الذي أنطقه الله ـ إعجازًا ـ ليدافع عن أمه، ويبين مكانته في هذه الدنيا، قال تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيَّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيَّا}(سورة مريم: 30).
ولمكانة هذه المرأة العذراء الشريفة؛ قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ" (متفق عليه: أخرجه البخاري برقم:3159، ومسلم برقم: 4459). ، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام : "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ" (متفق عليه: أخرجه البخاري برقم: 3178، ومسلم برقم: 4458).