اعتراف الاسلام بالأديان السماوية
ينبغي علينا قبل أن نتحدث عن اعتراف الإسلام بباقي الأديان السماوية أن نعرف الإسلام .. ومن التعريفات السائغة للإسلام لغويًّا أنه الانقياد والاستسلام، وإن عرفناه اصطلاحًا وحقيقة لقلنا: إنه الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده منذ خَلَقهم وحتى يرث الله الأرض ومن عليها .. وهكذا ينظر المسلمون للإسلام بأنه دين الله تعالى في كل وقت وزمان ..
ومن هذا التعريف ينبغي أن نفرق بين الدين والشريعة أو التشريع .. فالدين الذي جاء به إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام جميعًا وغيرهم من الأنبياء هو واحد في حقيقته .. يدعو الى توحيد الله تعالى وعدم الإشراك به أحدًا من خلقه، ويهدي الناس الى طريق السعادة في الدنيا والآخرة ..
يقول تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى: 13).
وتختلف الشرائع السماوية فيما بينها في الأحكام وطريقة التربية الإيمانية وأمور أخرى تختلف بحسب الزمان والمكان والأشخاص الذين يتلقون الرسالة .. ولكنها كما أسلفنا واحدة في جوهرها ..
يقول صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ. قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ" (أخرجه البخاري).
وعليه فإن الشريعة الإسلامية هي امتداد للشرائع السابقة من اليهودية والمسيحية الحقة، وليس ما دخل على كليهما من مغالطات وتحريف ربما أبعدتهما عمَّا أنزل الله تعالى ..
ولكنْ. ما علاقة المسلمين بأهل هذه الشرائع .. دعا الإسلام إلى احترامهم ومعاملتهم بالعدل والقسط، بل ودعا إلى معاملتهم بالبر والإحسان ... قال تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمُ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين}[الممتحنة: 8].
ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدق على يهودي، وعاد يهوديًّا، ووقف عند مرور جنازة يهوديّ .. وفي إطار التاريخ الإسلامي دائمًا نرى أن الحضارة الإسلامية استوعبت أهل الديانات الأخرى ولم يكن مشروعها إقصائيًّا أبدًا، ويُذكَر في ذلك وثيقة المدينة، وهي دستور وضعه النبي صلى الله عليه وسلم لتنظيم العلاقة بين المسلمين واليهود في المدينة، وفيها تتجلى معاني ما أطلق عليه حديثًا المواطنة .. وكان ذلك مستمدًا من قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}[البقرة: 256] .. وفي إطار الفتوحات الإسلامية عامة لم يجبَر أحدٌ على اعتناق الإسلام، أو تم التضييق عليه في عقائده أو عباداته، وكان مبدأ الدعوة دائمًا: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
إن الحضارة الإسلامية التي يتجاوز عمرها اليوم ألفًا وأربعمائة عام لهي حضارة إنسانية راقية، تستوعب الكل في إطارها ولا تُقْصِي أحدًا، وإن الناظر بعين العدل والإنصاف إلى المبادئ الإنسانية ليرى أنه ـ تقريبًا ـ الدين الوحيد الذي تكلم بلغة راقية مع مخالفيه، ولم يفرض على أحد الإيمان به، وإنما بيَّن لهم، وردَّ على أسئلتهم وشبهاتهم، وفي النهاية أقر الله تعالى القاعدة النهائية وهي: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[آل عمران: 85]