فلسفة الجهاد في الإسلام
يسعى الإسلام لرفع الذل عن الناس ومنع خضوعهم لغير الله، ويرى أن أكبر مهانة يتعرض لها الفرد عندما يعبد حجرًا أو شجرًا أو حيوانًا، أو يخضع ويذل لبشر حي أو ميت.
ونادى الإسلام إلى نشر العدل والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، بين الغني والفقير، الحاكم والمحكوم، القوي والضعيف، الشريف والوضيع، العالم والجاهل، الحبر والراهب العابد والزاهد، تحت شعار واضح "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى"(مسند أحمد:23489، ورجاله رجال الصحيح)، فلا عنصرية بغيضة ولا طبقية مقيتة.
ويعبر القرآن عن ذلك بوضوح في قوله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(المائدة: 8).
أي: يا أيها الذين آمَنوا بالله ورسولِه محمدٍ كونوا قوَّامين بالحق, ابتغاءَ وجهِ الله, شُهداء بالعدل, ولا يحملنَّكم بُغْضُ قوم على ألا تعدلوا, اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء, فذلك العدل أقرب لخشية الله, واحذروا أن تجوروا؛ إن الله خبير بما تعملون, وسيجازيكم به.
كما يفرض الإسلام على الأغنياء دفع جزء من أموالهم (الزكاة على المسلمين أو الجزية على غير المسلمين) ليتم توزيعه على فقراء الناس وضعفائهم وحرَّم أكل أموال الناس بالباطل من النهب والسلب أو من الربا أو من الغش أو الخداع.
ومعلوم أن كل هذه القيم والمبادئ تتعارض تمامًا مع مصالح الطغاة والجبابرة الذين استذلوا الناس واستعبدوهم، فأعلنوا عداوتهم للإسلام والمسلمين فكان لزامًا على المسلمين من إعداد العدة لمواجهة تلك المخاطر - حتى لا يؤخذوا على غِرَّةٍ - فأمرهم ربهم بذلك:
{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} (الأنفال:60).
ولما كانت رسالة محمد للناس كافة فكان لزامًا عليه السعي لرفع هذا الظلم عن الناس كافة ومواجهة هؤلاء الطغاة في أي مكان ومهما كلف الثمن، فكان فرض الجهاد على المسلمين لتحقيق مقاصد الدين السامية، لا يَهُمُّ أن يدخل الناس في دين الإسلام، ولكنَّ المُهِم أن ينعَمُوا بالعدل والأمن تحت حكمه:
وهذا ما يفسر بوضوح فلسفة الجهاد في الإسلام.