الجيش الإسلامي يدخل مكة
وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الطريق التي كلفت الدخول منها.
فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه، وقتل من أصحابه من المسلمين كُرْز بن جابر الفِهْرِي وخُنَيْس بن خالد بن ربيعة، كانا قد شذا عن الجيش، فسلكَا طريقًا غير طريقه فقُتلا جميعًا، وأما سفهاء قريش فلقيهم خالد وأصحابه بالخَنْدَمَة فناوشوهم شيئًا من قتال، فأصابوا من المشركين اثني عشرَ رجلًا، فانهزم المشركون، وانهزم حِمَاس بن قيس ـ الذي كان يُعِدُّ السلاح لقتال المسلمين ـ حتى دخل بيته، فقال لامرأته: أغلقي عليَّ بابي، فقالت: وأين ما كنت تقول! فقال:
إنك لو شهـدت يوم الخَنْدَمة واستقبلتنا بالسيوف المسلمهْ
ضربـًا فلا يُسمع إلا غمغمه إذْ فَـرَّ صفوانُ وفَـرَّ عِكرمهْ
يقطعنْ كل ساعد وجمجمه لهـم نَهِيْتٌ خلفنا وهَمْهَمهْ
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمهْ.
وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الصفا.
وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالحَجُون عند مسجد الفتح، وضُرِبَ له هناك قُبة، فلم يبرح حتى جاءه رسول الله(صلى الله عليه وسلم).
الرسول(صلى الله عليه وسلم) يدخل المسجد الحرام ويطهره من الأصنام
ثم نهض رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول:{جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}[الإسراء :81]، {قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ : 49] والأصنام تتساقط على وجوهها.
وكان طوافه على راحلته، ولم يكن مُحْرِمًا يومئذ، فاقتصر على الطواف، فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها، فرأى فيها الصور، ورأى فيها صورة إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام يستقسمان بالأزلام، فقال: "قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قط"، ورأى في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصور فمحيت.
الرسول(صلى الله عليه وسلم) يُصلي في الكعبة ثم يخطب أمام قريش
ثم أغلق عليه الباب، وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه ثلاثة أذرع وقف، وجعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه ـ وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ـ ثم صلى هناك. ثم دار في البيت، وكبَّر في نواحيه، ووحَّد الله، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفًا ينتظرون ماذا يصنع؟ فأخذ بعِضَادَتَيْ الباب وهم تحته، فقال:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثُرَة أو مال أو دم فهو تحت قدمَي هاتين، إلا سِدَانَة البيت وسِقاية الحاجّ، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد ـ السوط والعصا ـ ففيه الدية مُغلَّظة، مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها.
يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات: 13)
لا تثريب عليكم اليوم
ثم قال عليه الصلاة والسلام: "يا معشر قريش. ما ترون أني فاعل بكم؟ "قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: "فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ" اذهبوا فأنتم الطلقاء".
بلال يؤذن على الكعبة
وحانت الصلاة، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بلالًا أن يصعد فيؤذن على الكعبة (وأبو سفيان بن حرب، وعتَّاب بن أُسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة) فقال عَتَّابٌ: لقد أكرم الله أُسَيْدًا ألا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته، فقال أبو سفيان: أما والله لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء،. فخرج عليهم النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال لهم: (لقد علمت الذي قلتم) ثم ذكر ذلك لهم.
فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطَّلَع على هذا أحد كان معنا فنقولَ أخبرك.
صلاة الفتح أو صلاة الشكر
ودخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها ـ وكان ضُحًى ـ فظنها مَن ظنها صلاة الضحى، وإنما هذه صلاة الفتح، وأجارت أم هانئ حَمَوين لها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)، وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن يقتلهما، فأغلقت عليهما باب بيتها، وسألت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال لها ذلك.
خطبة الرسول(صلى الله عليه وسلم) في اليوم الثاني من الفتح
ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الناس خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ومَجَّده بما هو أهله، ثم قال: (أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، أو يَعْضُدَ بها شجرة، فإنْ أحد ترخص لقتال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب).
أخذ البيعة
وحين فتح الله مكة لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) والمسلمين، تبين لأهل مكة الحق، وعلموا ألا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام، فأذعنوا له، واجتمعوا للبيعة، فجلس رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الصفا يبايع الناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه، يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا.
إقامته (صلى الله عليه وسلم) بمكة وعمله فيها
وأقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بمكة تسعة عشر يومًا يجدد معالم الإسلام، ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلال هذه الأيام أمر أبا أسيد الخزاعي، فجدد أنصاب الحرم، وبث سراياه للدعوة إلى الإسلام، ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة، فكُسِّرت كلها، ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَدَعْ في بيته صنمًا إلا كَسَّرَه.
إنه الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جُعِل هدًى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشرت به أهل السماء، وضرَبتْ أطنابُ عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجًا.
وقد ذكر أهل السير أن تاريخ هذه الغزوة كان في السنة الثامنة من الهجرة في شهر رمضان.