تعدد الزوجات في الإسلام
يتناول الغربيون موضوع تعدد الزوجات عند المسلمين، وكأنه فرض من فروض الإسلام، وليس كذلك بل الأصل الغالب عند المسلمين هي الزوجة الواحدة، وعندما تتوافر للتعدد دواعٍ وأسبابٌ فقد اشترطت الشريعة الإسلامية لتحَقُّقِهِ شرطين لازمين لا بد من توافرهما؛ رعاية لمصلحة الزواج العليا وتحقيقًا لمقصوده وهما:
أولًا: القدرة على الإنفاق.
لا يحل شرعًا الإقدام على الزواج سواءً من واحدة أو أكثر إلا بتوافر القدرة على الإنفاق على الزوجة وتحمل تكاليف الزواج ومَؤُوْنَة العيش .. ومتى اختل هذا الشرط حرم على الرجل الإقدام على الزواج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج"(متفق عليه) والباءة: مؤونة النكاح ...
ثانيًا: توفير العدل بين الزوجات.
وذلك يكون بالتسوية بين الزوجات في النواحي المادية من نفقة وحسن معاشرة ومبيت؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ}(النساء: 3) .. فإنه تعالى أمر بالاقتصار على واحدة إذا خاف الإنسان الجَوْرَ ومُجافاة العدل بين الزوجات ..
وتعدد الزوجات كان موجودًا في الأديان السماوية السابقة والشرائع الأرضية الوضعية، ولكنه كان مطلقًا بلا عدد .. فالديانة اليهودية لم تحرم تعدد الزوجات، بل إن العهد القديم يروي عن داوود وسليمان عليهما السلام أنهما قد جمعَا من الزوجات المئات .. ولما جاءت المسيحية لم يَرِدْ عندهم ما يُحَرِّمُ تعدد الزوجات وبقي مُعترَفًا به من الكنيسة حتى مطلعِ القرن السابعَ عشرَ، ثم استقرت النظم الكنسية المستحدَثة بعد ذلك على تحريم التعدد بالرغم من خلو أسفار الإنجيل من ذلك .. والذي يتابع أحوال الخَلْقِ عبر العصور يجد أنه من المستحيل بقاء موازين الوجود على خط متعادل واحد .. فسير الخَليقة الحثيث يتعرض دائمًا لتقلبات واهتزازات ينتج عنه اختلال في تلك الموازين مما يعني حدوث تناقض في أعداد مجموعة على حساب أخرى.
إن نظرة الشريعة الإسلامية إلى التعدد ينبثق من كونه حلًّا سريعًا وعلاجًا شافيًا لحالات اضطرارية ملحة، لا كما يتصوره علماء الغرب بأنه ركن من أركان الدين الإسلامي؛ لذلك فان وَحْدة الزوجة ـ كما قلت ـ هو الأفضل وهو الغالب وهو الأصل شرعًا.
ولكنَّ هنالك أسبابًا ودواعيَ تجعل التعدد متنفَسًا وبلسمًا ناجعًا لكثير من الحالات الاضطرارية الواقعية ..
فالحروب الفتاكة التي تنتشر في غالب بقاع الأرض ليس لها حَطَبٌ إلا الرجال.. فالحرب عندما تستهلك ألف رجل مثلًا يُنْظَرُ في الميزان المقابل أنَّ ألف امرأة تبقى بلا زواج.. فيأتي نظام التعدُّد لينتشلَ هذا العدد من النساء كرامةً لها وحفظًا من أن تنتشلها أيدي العابثين.
في الديانة المسيحية الحديثة لا يسمح للرجل بأن يتزوج أكثر من امرأة واحدة تكون هي حظه من هذه الدنيا، وقد يُفَاجَأُ الزوج بأن زوجته عقيمًا لا تلد وهو يتوق إلى الأولاد، أو أنها قد تمرَضُ مع الزمن مرضًا منفِّرًاَ يصعُبُ معه تحقيق مقصود الزواج، فيكون من الأفضل للرجل والإكرام للمرأة بأن يتزوج الرجل مرة أخرى بدل أن يطلق الأولى طلبًا للثانية.
طبائع بني البشر تتفاوت وتختلف وهي بين الرجل والمرأة أشد اختلافًا.. فمن الرجال من يكون قويَّ الغريزة ثائرَ الشهوة لا يتماسك أمام نداء الفطرة، ولرُبَّمَا يُرْزَقُ هذا النوع من الرجال بزوجة ليست لها تلك الدرجة من الرغبة في المعاشرة أو أن فترة المرض الشهري الفطري عند النساء يطول عندها فهي لا تشبع نَهَمَ غريزته، ولا تهدأ فورة الشهوة عنده، والرجل بطبعه لا يصبر كثيرًا عند النساء أفلا يكون من الأخلاق والعفة أن يُسْمَحَ له بامرأة حليلة عفيفة بدل أن يتخذها خليلة عشيقة؟
هذه نظرة الشريعة الإسلامية إلى تعدد الزوجات، وهذه الشروط التي أوجبَتْهَا لتَحَقُّقِه كتبتُها لإزالة كثير من الأتربة التي ثارت حول هذه القضية..
والله من وراء القصد .. وهو حسبي ونعم الوكيل ... وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين ..