الطلاق
   مرات المشاهدة : 156
ماذا تعرف عن ؟
الطلاق

 

الطلاق
يأخذ الكثير من الغربيين على الإسلام أنه أباح الطلاق، ويَعُدون ذلك دليلًا على استهانة الإسلام بقدْر المرأة، وبقدسية الزواج، وقلدهم في ذلك بعض المسلمين الذين تثقفوا بالثقافات الغربية، وجهلوا أحكام شريعتهم، مع أن الإسلام، لم يكن أول من شرع الطلاق، فقد جاءت به الشريعة اليهودية من قبل، وعرفه العالم قديمًا.
 
وقد نظر هؤلاء العائبون إلى الأمر من زاوية واحدة فقط، هي تضرر المرأة به، ولم ينظروا إلى الموضوع من جميع جوانبه، وحَكّموا في رأيهم فيه العاطفة غير الواعية، وغير المدركة للحكمة منه ولأسبابه ودواعيه.
 
إن الإسلام يفترض أولًا أن يكون عقد الزواج دائمًا، وأن تستمر الزوجية قائمة بين الزوجين، حتى يفرق الموت بينهما؛ ولذلك لا يجوز في الإسلام تأقيت عقد الزواج بوقت معين.
 
غير أن الإسلام وهو يحتم أن يكون عقد الزواج مؤبدًا يعلم أنه إنما يُشرِّع لأناس يعيشون على الأرض، لهم خصائصهم، وطباعهم البشرية، لذا شرع لهم كيفية الخلاص من هذا العقد، إذا تعثر العيش، وضاقت السبل، وفشلت الوسائل للإصلاح، وهو في هذا واقعي كل الواقعية، ومنصف كل الإنصاف لكل من الرجل والمرأة.
 
فكثيرًا ما يحدث بين الزوجين من الأسباب والدواعي، ما يجعل الطلاق ضرورة لازمة، ووسيلة متعينة لتحقيق الخير، والاستقرار العائلي والاجتماعي لكل منهما، فقد يتزوج الرجل والمرأة، ثم يتبين أن بينهما تباينًا في الأخلاق، وتنافرًا في الطباع، فيرى كل من الزوجين نفسه غريبًا عن الآخر، نافرًا منه، وقد يطّلع أحدهما من صاحبه بعد الزواج على ما لا يحب، ولا يرضى من سلوك شخصي، أو عيب خفي، وقد يظهر أن المرأة عقيم لا يتحقق معها أسمى مقاصد الزواج، وهو لا يرغب التعدد، أولا يستطيعه، إلى غير ذلك من الأسباب والدواعي، التي لا تتوفر معها المحبة بين الزوجين ولا يتحقق معها التعاون على شؤون الحياة، والقيام بحقوق الزوجية كما أمر الله.
 
فيكون الطلاق لذلك أمرًا لا بد منه للخلاص من رابطة الزواج التي أصبحت لا تحقق المقصود منها، والتي لو أُلْزِمَ الزوجان بالبقاء عليها لأكلت الضغينة قلبيهما، ولكاد كل منهما لصاحبه، وسعى للخلاص منه بما يتهيأ له من وسائل، وقد يكون ذلك سببًا في انحراف كل منهما، ومنفذًا لكثير من الشرور والآثام؛ لهذا شُرِعَ الطلاق وسيلة للقضاء على تلك المفاسد، وللتخلص من تلك الشرور، وليستبدل كل منهما بزوجه زوجًا آخر، قد يجد معه ما افتقده مع الأول، فيتحقق قول الله تعالى:{وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} (النساء 130).
وهذا هو الحل لتلك المشكلات المستحكمة المتفق مع منطق العقل والضرورة، وطبائع البشر وظروف الحياة.
 
ولا بأس أن نورد ما قاله (بيتام) رجل القانون الإنجليزي؛ لندلل للاهثين خلف الحضارة الغربية ونظمها أن ما يستحسنونه من تلك الحضارة يستقبحه أبناؤها العالمون بخفاياها، والذين يعيشون نتائجها.
 
يقول (بيتام):
(لو وُضِعَ مشروع قانون يحرم فَضَّ الشركات، ويمنع رفع ولاية الأوصياء، وعزل الوكلاء، ومفارقة الرفقاء، لصاح الناس أجمعون: إنه غاية الظلم، واعتقدوا صدوره من معتوه أو مجنون، فيا عجبًا أن هذا الأمر الذي يخالف الفطرة، ويجافي الحكمة، وتأباه المصلحة، ولا يستقيم مع أصول التشريع، تقرره القوانين بمجرد التعاقد بين الزوجين في أكثر البلاد المتمدنة، وكأنها تحاول إبعاد الناس عن الزواج، فإن النهي عن الخروج من الشيء نهي عن الدخول فيه، وإذا كان وقوع النفرة واستحكام الشقاق والعداء، ليس بعيد الوقوع، فأيهما خير؟ .. ربط الزوجين بحبل متين لتأكل الضغينة قلبيهما، ويكيد كل منهما للآخر؟ أم حل ما بينهما من رباط، وتمكين كل منهما من بناء بيت جديد على دعائم قوية؟
أو ليس استبدال زوج بآخر خيرًا من ضم خليلة إلى زوجة مهملة أو عشيق إلى زوج بغيض).
 
والإسلام عندما أباح الطلاق لم يغفل عما يترتب على وقوعه من الأضرار التي تصيب الأسرة، خصوصًا الأطفال، إلا أنه لاحظ أن هذا أقل خطرًا، إذا قورن بالضرر الأكبر، الذي تُصاب به الأسرة والمجتمع كله إذا أبقى على الزوجية المضطربة، والعلائق الواهية التي تربط بين الزوجين على كره منهما، فآثر أخف الضررين، وأهون الشرين.
 
 
وعَدَّ الطلاقَ آخِرَ العلاج، بحيث لا يُصار إليه إلا عند تفاقم الأمر، واشتداد الداء، وحين لا يجدي علاج سواه، وأرشد إلى اتخاذ الكثير من الوسائل قبل أن يُصارَ إليه، فرَغَّبَ الأزواج في الصبر والتحمل على الزوجات، وإن كانوا يكرهون منهن بعض الأمور إبقاءً للحياة الزوجية، يقول تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}(النساء: 19).
وأرشد الزوجة إذا ما أحست فتورًا في العلاقة الزوجية، وميل زوجها إليها إلى ما تحفظ به هذه العلاقة، ويكون له الأثر الحسن في عودة النفوس إلى صفائها، بأن تتنازل عن بعض حقوقها الزوجية، أو المالية، ترغيبًا له بها وإصلاحًا لما بينهما.
 
وشرع التحكيم بينهما، إذا عجزًا عن إصلاح ما بينهما، بوسائلهما الخاصة.
 
كل هذه الإجراءات والوسائل تُتَّخَذُ وتُجَرَّبُ قبل أن يُصار إلى الطلاق، ومن هذا يتضح ما للعلائق والحياة الزوجية من شأن عظيم عند الله.
 
ويثار كذلك عن الحكمة في جعل الطلاق بيد الرجل؟؟ أليس في ذلك ما ينقص من شأن المرأة؟؟
وفي ذلك نقول: إن فَصْمَ رابطة الزوجية أمر خطير، يترتب عليه آثار بعيدة المدى في حياة الأسرة والفرد والمجتمع، فمن الحكمة والعدل ألا تعطَى صلاحية البت في ذلك، وإنهاء الرابطة تلك، إلا لمن يدرك خطورته، ويقدر العواقب التي تترب عليه حق قدرها، ويزن الأمور بميزان العقل، قبل أن يقدم على الإنفاذ، بعيدًا عن النزوات الطائشة، والعواطف المندفعة، والرغبة الطارئة.
 
والثابت الذي لا شك فيه أن الرجل أكثر إدراكًا وتقديرًا لعواقب هذا الأمر، وأقدر على ضبط أعصابه، وكبح جماح عاطفته حال الغضب والثورة، وذلك لأن المرأة خُلقت بطباع وغرائز تجعلها أشد تأثرًا، وأسرع انقيادًا لحكم العاطفة من الرجل؛ لأن وظيفتها التي أُعدت لها تتطلب ذلك، فهي إذا أحبت أو كرهت، وإذا رغبت أو غضبت اندفعت وراء العاطفة، لا تبالي بما ينجم عن هذا الاندفاع من نتائج ولا تتدبر عاقبة ما تفعل، فلو جعل الطلاق بيدها، لأقدمت على فصم عُرَى الزوجية لأتفه الأسباب، وأقل المنازعات التي لا تخلو منها الحياة الزوجية، وتصبح الأسرة مهددة بالانهيار بين لحظة وأخرى.
 
وهذا لا يعني أن كل النساء كذلك، بل إن من النساء من هن ذوات عقل وأناة، وأقدرعلى ضبط النفس حين الغضب من بعض الرجال، كما أن من الرجال من هو أشد تأثرًا وأسرع انفعالًا من بعض النساء، ولكن الأعم الأغلب والأصل أن المرأة كما ذكرنا، والتشريع إنما يبني على الغالب وما هو الشأن في الرجال والنساء، ولا يعتبر النوادر والشواذ، وهناك سبب آخر لتفرد الرجل بحق فصم عرى الزوجية.
 
إن إيقاع الطلاق يترتب عليه تبعات مالية، يُلزَم بها الأزواج: فيه يحل المؤجل من الصداق إن وُجد، وتجب النفقة للمطلَّقة مدة العِدَّة، وتجب المتعة لمن تجب لها من المطلقات، كما يضيع على الزوج ما دفعه من المهر، وما أنفقه من مال في سبيل إتمام الزواج، وهو يحتاج إلى مال جديد لإنشاء زوجية جديدة، ولا شك أن هذه التكاليف المالية التي تترتب على الطلاق، من شأنها أن تحمل الأزواج على التروي، وضبط النفس، وتدبر الأمر قبل الإقدام على إيقاع الطلاق، فلا يقدم عليه إلا إذا رأى أنه أمر لا بد منه ولا مندوحة عنه.
 
أما الزوجة فإنه لا يصيبها من مَغارم الطلاق المالية شيء، حتى يحملها على التروي والتدبر قبل إيقاعه ـ إن استطاعت ـ بل هي قد تصيب من ورائه مهرًا جديدًا، وبيتًا جديدًا، وعريسًا جديدًا.
 
فمن الخير للحياة الزوجية، وللزوجة نفسها أن يكون البت في مصير الحياة الزوجية في يد من هو أحرص عليها وأضن بها.
 
والشريعة لم تهمل جانب المرأة في إيقاع الطلاق، فقد منحتها الحق في الطلاق، إذا كانت قد اشترطت في عقد الزواج شرطًا صحيحًا، ولم يَفِ الزوج به، وكما أباحت لها الشريعة الطلاق بالاتفاق بينها وبين زوجها، ويتم ذلك في الغالب بأن تتنازل للزوج أو تعطيه شيئًا من المال، يتراضيان عليه، ويسمى هذا بالخُلْع أو الطلاق على مال، ويحدث هذا عندما ترى الزوجة تعذُّر الحياة معه، وتخشى إن بقيت معه أن تُخِلَّ في حقوقه، وهذا ما بينه الله تعالى في قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (البقرة 229).
 
ولها طلب التفريق بينها وبينه، إذا أَعْسَرَ ولم يقدر على الإنفاق عليها، وكذا لو وجدت بالزوج عيبًا، تضيع معه أغراض الزوجية، ولا يمكن المقام معه مع وجوده، إلا بضرر يلحق الزوجة، ولا يمكن البرء منه، أو يمكن بعد زمن طويل، وكذلك إذا أساء الزوج عشرتها، وآذاها بما لا يليق بأمثالها، أو إذا غاب عنها غيبة طويلة.
 
كل تلك الأمور وغيرها، تعطي الزوجة الحق في أن تطلب الطلاق؛ صيانة لها من أن تقع في المحظور، وضنًّا بالحياة الزوجية من أن تتعطل مقاصدها، وحماية للمرأة من أن تكون عُرْضَةً للضيم والتعسف.
 
الاسم

الايميل

الدولة

نص التعليق