الجهاد في الإسلام
الجهاد في الإسلام إنما شُرع لنشر الحق وإقامة العدل، ولتأسيس نظام عادل ليقوم الناس بالقسط؛ حتى تتم سعادة البشر وفلاحهم.
وإقامة الجهاد الإسلامي ليس من أجل أن تستبد أمة بالخيرات، أو ينفرد شعب بالثروات كما فعله الاستعمار الغربي بالأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها، حيث جاسوا الديار عبثًا وفسادًا، واستبدوا بمنابع الثروات دون أصحابها الأصليين.
وإنما الجهاد الإسلاميّ لهدف سام وغاية نبيلة وهي: إزالة العقبات التي تعترض نشر دعوة الإسلام، وتحرير الناس من العبودية للعباد، وتركهم أحرارًا وما يختارون من عقائد وديانات.
ولابد لكل دولة تريد أن تحفظ مهابتها ودينها أن تكون قوية مستعدة لكل المخاطر التي تهددها وتتربص بها، وما فتئت أمم الدنيا تعدّ لنفسها القوة بمختلف الأساليب والأنواع وحسب الظروف.. كل ذلك حتى تحمي نفسها وتدافع عن حقها؛ فإن الحق لا يقوم ما لم تسانده قوة وتحيط به.
يقول ابن تيمية رحمه الله: "لابد للناس من كتاب هاد، وحديد ناصر".
يظنّ العديد من الناس أن الإسلام قام على السيف، وأنه لم يدخل فيه معتنقوه بطريق الطواعية والاختيار، وإنما دخلوه بالقهر والإكراه، وقد اتخذوا من تشريع الجهاد في الإسلام وسيلة لهذا التجني، وشَتَّانَ بين تشريع الجهاد وإكراه الناس على الإسلام؛ فإن تشريع الجهاد لم يكن لهذا، وإنما كان لحِكَمٍ سامية، وأغراض شريفة.
وهذه الدعوى الظالمة كثيرًا ما يرددها المبشرون والمستشرقون، فيتصايحون قائلين: أرأيتم؟!! هذا محمد يدعو إلى الحرب، وإلى الجهاد في سبيل الله، أي إلى إكراه الناس بالسيف على الدخول في الإسلام، في حين تنكر المسيحية القتال، وتمقت الحرب، وتدعو إلى السلام، وتنادي بالتسامح، وتربط بين الناس برابطة الإخاء في الله وفي السيد المسيح عليه السلام.
وقد فطن لسُخْفِ هذا الادِّعاءِ كاتب غربي كبير هو: (توماس كارليل) صاحب كتاب "الأبطال وعبادة البطولة"، فإنه اتخذ نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام، مثلًا لبطولة النبوة، وقال ما معناه: "إن اتهامه ـ أي سيدنا محمد ـ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سُخْفٌ غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به من لا يقدرون على حرب خصومهم، فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها"(حقائق الإسلام وأباطيل خصومة للعقاد صـ22).
ومن الإنصاف أن نقول: إن بعض المستشرقين لم يؤمن بهذه الفِرْيَة، ويرى أن الجهاد كان لحماية الدعوة، وردِّ العدوان، وأنه لا إكراه في الدين.
وأحب قبل الشروع في رد هذه الفِرْية أنْ أُبَيِّنَ كذب من زعم أن المسيحية تنكر القتال على إطلاقه، وتمقت الحرب، وتدعو إلى السلام، من الكلام المنسوب إلى السيد المسيح نفسه - من كتبهم - قال: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا، وإني جئت لأفَرِّقَ الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكَنَّةَ ضد حَمَاتِهَا، وأعداء الإنسان أهل بيته.
من أحب أبًا أو أمًّا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنةً أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليْبَه ويتبعني فلا يستحقني، من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها" (إنجيل متى - الإصحاح العاشر فقرة 35 وما بعدها).