الأذان .. معانٍ ومواقف
كما يشدنا الأذان إلى كلماته، يشدنا إلى تاريخه، فتاريخه هو تاريخ الإسلام في الأرض، وهو تاريخ التوحيد في صراعه مع الشرك.
لما فتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة، وطهر البيت الحرام من الأصنام التي فيه وفيما حوله، دعا مؤذنه بلالًا، وأمره أن يصعد على الكعبة ويؤذن، فارتقى (رضي الله عنه)، ورفع صوته بالأذان، فـكــان هـــذا الأذان أبلغ رســالــة لقريش تخبرها بمواصفات الدين الجديد.
ولقد قال أحــد المشركين ـ وهو يسمع الأذان ويرى بلالًا يجهر به فوق الكعبة: "أما وجد محمد غير هذا الـغـراب الأسود مؤذنًا؟" وقال آخر: "الحمد لله الذي قُبِضَ أبي قبل أن يرى هذا اليوم".
فكانت كلـمــات هذين المشركَيْنِ تلخيصًا لما دافعت عنه قريش طيلة عشرين عامًا، ولكن الحق إذا جاء زهق الباطل، ولقد كانت تلك الأصنام قبل قليل آلهة تُعبَد، أما الآن: فالله أكبر ولا إله إلا الله.
وارتـبــط الأذان في فـتــرة النبوة باسم بلال، وإن كان لرسول الله مؤذنون آخرون.
ولما توفي الـنـبي - صلى الله عليه وسـلـــم- امتنع بلال عن الأذان، ولَحِقَ بالشام مجاهدًا ومرابطًا في سبيل الله، وعندما فتح المسلمـــون مدينة دمشق وذهب عمر (رضي الله عنه) يزورها، توسل رؤساء القوم إلى بلال ـ وكان حاضــرًا ـ ليؤذن فأذن إكرامًا لمَقْدِمِ أمير المؤمنين، فما رُؤِيَ أحد إلا وهو يبكي؛ لأن صوته ـ الذي انقطع عنهم أكثر من اثني عشر عامًا ـ ذكرهم بأيام عزيزة عندما كان يؤمهم سيد الخلــق (عليه الصلاة والسلام).
المسلمون إذا فتحوا بـلـدًا بنوا به المساجد، ورفعوا فـيـه الأذان، وأقاموا فيه الصلاة، وجعلوه مدرسة للعلم.
وصار سماع الأذان في قرية علامة على إسلام أهلها؛ فإذا سمعه المسلمون كفُّوا عـنـهـــــا، وميزوها عن غيرها من القرى الكافرة، وكان لصيحة (الله أكبر) ـ وهي من كلمات الأذان ـ هيبتها عبر التاريخ الإسلامي، فقد كانت تزلزل قلوب الأعداء، وتلقي الرعب في قلوب الكفار، فهي كلمة الثبات وكلمة النصر، فإذا غزا المسلمون قالوا: "الله أكبر"، وإذا فتح الله عليهم ونصرهم أذنوا فقالوا: "الله أكبر".
ولقد استغل التتار أيام هجومهم على بلاد الإسلام دور الأذان في جمع المسلمين ساعة المحنة، فكانوا إذا خربوا مدينة من مدن الإسلام يرفعون الآذان في بعض مآذنها بعد يوم أو يومين، فكل من كان مختبئًا من المسلمين يخرج ظانًّا أن الـعــدو زال عن المدينة، فيغُرِّر العدو بالمسلمين ويقتلهم.
وبقي الأذان والمئذنة رمزين في الصراع بين المسلمين وأعدائهم، وكانت أحقاد اليهود والنصارى والمشركين تتجه أول ما تتجه إلى المآذن والمؤذنين، وكلنا يتابع ما يفعله الصـرب فـي الـبـوسـنـة، وما يـفـعـلـه الصهاينة في فلسطين، والهندوس في الهند والروس في الشيشان، وما يفعله غيرهم في بلاد مخـتـلـفـة مـن العالم، مما يبين أن الأذان والمئذنة رمز لأُمة، وشعارٌ لدِيْن، فهما مستهدفان كما يُسْـتَهْدَفُ اللواء في المعارك والحروب.
الأذان والدعوة إلى الإسلام:
الأذان كلمات لا إكراه فـيـهــا... بل فيها دعوة إلى الإيمان بالحق والعمل بمقتضاه، ولعل إدراك الغرب النصراني أن الأذان سـيـنـتـصر على الناقوس سببٌ في أنهم لا يزالون يمنعون رفعه في المساجد الموجودة ببلادهم، ولكن عـندما تكون أغلبية السكان بهذه البلاد مسلمين سيرفع الأذان فوق المساجد، ولبلوغ هذه الغايــة فــإن هؤلاء السكان بحاجة إلى من يشرح لهم كلمات الأذان، ومن يترجم لهم ما يقوله الـمـــؤذن، فالأذان ليس للمسلمين وحدهم، ولكنه نداء عالمي كما أن الإسلام دعوة عالمية.
إن عددًا من السياح الأجانب عندما زاروا بلاد المسلمين تساءلوا ـ عندما سمعوا الأذان ـ عما يقوله هؤلاء المؤذنون، ودفعهم ذلك إلى التساؤل عن الإسلام.
خاتمة:
إن من أسوء ما يُبتلَى به المسلمون، أن تُجرَّدَ شعائر دينهم من معانيها، وتفرَّغ رموز دينهم من دلالتها، فتتحول إلى رسوم وأسماء، والواجب أن نقول ذلك بقوة لتبقى لهذه الرموز دلالتها، وتستعيد مــا كــان لها من معنى يوم شرعت أول مرة، وهذا يفرض علينا إحياء طريقة السلف في تلقين أحكام الدين حتى لا تقصر على جانب واحد، فإذا تناولنا أحكام الأذان على سبيل المثال لا نقتصر على بيان ألفاظه والأدعية التي تكون بعده، وما يُشترَط في المؤذِّن، بـل نجـمـع إلى ذلك ما ذكرناه في هذا الموضوع، ونفعل مثل هذا في دراسة الصلاة والزكـاة والحج والصيام.. وسائر شعائر الإسلام.