حديث الذبابة
عن أبى هريرة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْأُخْرَى شِفَاءً" (البخاري: 3073)
أثبت أحد البحوث التي أجراها الأستاذ الدكتور/ مصطفى إبراهيم حسن، أستاذ الحشرات الطبية ومدير مركز أبحاث ودراسات الحشرات الناقلة للأمراض في جامعة الأزهر، أثبت وجود كثافة عددية عالية من أنواع عديدة من البكتريا علي جناحي الذباب، كما اتضح أن أكثر أنواع البكــتريا شراسة هو نوع B. circulans الذي يفرز مضاد حيوي لكثير من أنواع البكتريا الأخرى سواء سالبة أو موجبة الجرام، ولقد لوحظ تواجد هذه البكتريا بكثافة عالية علي الجـناح الأيمن للذباب، كما لوحظ وجود أنواع من الفطريات التي تَفرِز أيضًا مواد مضادة للحـيوية لكثير من أنواع البكـتريا، كما اتضح قدرة البكتريا B. circulans علي قتل الأنواع الأخرى من البكتريا في زمن قصير جدًّا، وهي البكتريا التي تنقل العديد من الأمراض للإنسان والتي تم ذكرها.
وإذا رجعنا إلى نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد أن حرف الفاء في "فليغمسه" يفيد السرعة، بينما "ثم" تفيد التراخي والبطء؛ لذلك فأمْر الرسول صلى الله عليه وسلم بغمس الذباب بسرعة؛ لأنه يتعلق على سطح السائل لوجود التوتر السطحي، وكلمة ثم بعد الغمس تعطي فرصة للأنواع المفيدة من البكتريا والفطريات؛ لكي تفرز المواد المضادة للحيوية والدواء أو الشفاء؛ لكي تقضي علي البكتريا الضارة (الداء).
ولقد ثبت أنه حتى لو أكل الإنسان أو شرب من الإناء فإن المادة الفعالة تظل نشطة في أمعاء الإنسان؛ لأن هذه البكتريا في حالة معايشة في أمعاء العائل، كما أنها تتحمل درجات الحرارة العالية، تأثير الإشعاع، تأثير المواد الكيميائية والبرودة أي: إن الذباب حتى لو سقط في إناء به طعام أو شراب ساخن أو بارد؛ فإن البكتريا المفيدة (الدواء) تظل نشطة وتفرز المادة الفعالة القاتلة لأنواع الميكروبات الأخرى بأقل تركيز وهو 5 mg/ml، أي: إن 5جم من المادة كافية لتعقيم 1000 لتر من اللبن أو أي سائل أو طعام.
ولعل عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر بغمس الذباب تتضح في ميكانيكية إفراز المادة الفعالة (الدواء) حيث إن إفراز أنواع البكتريا النافعة والفطريات لهذه المواد لا يتم إلا في وجود وسط، وهو هنا الطعام أو الشراب الموجود داخل الإناء، حيث يسمح هذا الوسط لِأَنْ يتقابل كل من الداء والدواء وجهًا لوجه بدون عوائق، ويتم الالتحام وعند ذلك تقوم الكائنات المفيدة بالقضاء علي الكائنات الضارة، ولقد وُجِدَ أن المادة المضادة للحيوية والتي تقتل البكتريا سالبة أو موجبة الجرام لا تتحرر من الخلايا الفطرية إلا إذا امتصت السائل، وعند ذلك فإنه بواسطة خاصية الضغط الإسموزي تنتفخ ثم تتفجر، وتطلق محتوياتها التي تعتبر كالقنابل وتقوم بالقضاء علي البكتريا الضارة، ولُوحِظَ أن هذه القنابل تقذف لمسافة 2 مم داخل السائل، وهي مسافة تعتبر عظيمة بالنسبة لحجم الكائنات الدقيقة.