بئر زمزم
بئر زمزم يُعَدُّ حَدَثًا مهمًّا في الدين الإسلامي وعنصرًا مهمًّا داخل المسجد الحرام في مكة المكرمة، وذلك لما يحمله من معانٍ دينية.
فضل ماء زمزم: هو خير ماء على وجه الأرض، وظهر بواسطة جبريل عليه السلام، ونبع في أقدس بقعة على وجه الأرض، وغُسِل به قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، وبارك فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف.
ويقول الكاتب السعودي "عمر المضواحي" المهتم بالكتابة عن الأماكن المقدسة: إن هذا البئر هو أقدس آبار المياه عند المسلمين، وليس هناك شراب على وجه الأرض يفوق مكانة ماء زمزم عندهم، ويحملون لهذا الماء ذي الطعم الفريد قدسية خاصة، ويؤمنون بأنه مكنوز بأسرار لا قِبَل للعقل البشري في استيعابها، أو لا يعرفون تفسيرًا لتغيُّر خواصه ومنافعه وفق حالة شاربه ورغبته.
وبئر زمزم فجّرها جبريل عليه السلام بأمر من الله تعالى؛ تكريمًا لأم إسماعيل ورضيعها اللذَين تركهما نبي الله إبراهيم عليه السلام بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، وعندما هَمّ بالانصراف فزعت هذه السيدة الصالحة من قفر المكان و خلوه من الماء والنبت والسكن، فَجَرَتْ وراء زوجها تسائله: إلى مَن تكلنا؟ إلى من تتركنا في هذا المكان القَفْر؟
قال: إلى الله عز وجل.
قالت: قد رضيت بالله عز وجل، ثم سألته بثقتها فيه ويقينها بأنه نبي مرسل: آلله أمرك بهذا؟
فأجاب: نعم، واستمر في سيره حتى غاب عن زوجه وولده، فاستقبل بوجهه البيت ودعا الله لهما بالأنس والرزق والستر، وقفلت أم إسماعيل راجعة، وهي تقول: إذن؛ فلن يضيعنا.
ورَدًّا على هذا الإيمان العميق بالله واليقين الصادق بقدرته ورحمته ومعيته أكرمها ربنا تبارك وتعالى بتفجير هذه البئر المباركة بغير حول منها ولا قوة!!
وخروج بئر وسط صخور نارية ومتحولة شديدة التبلور مصمتة لا مسامية فيها ولا نفاذية لها في العادة أمر لافت للنظر، والذي هو أكبر من ذلك وأكثر أن تظل هذه البئر تتدفق بالماء الزُّلال على مدى أكثر من ثلاثة آلاف سنة، على الرغم من طمرها وحفرها عدة مرات على فترات، ويبلغ معدَّل تدفق بئر زمزم اليوم ما بين 18,5,11 لتر في الثانية، فهي بئر مباركة فُجِّرتْ بمعجزة؛ كرامة لسيدنا إبراهيم وزوجه وولده عليهم جميعًا من الله السلام، ولم يُعرَف مصدر المياه المتدفقة إلى بئر زمزم إلا بعد حفر الأنفاق حول مكة المكرمة، حين لاحظ العاملون تدفق المياه بغزارة في تلك الأنفاق من تشققات شعرية دقيقة تمتد لمسافات هائلة بعيدًا عن مكة المكرمة، وفي جميع الاتجاهات من حولها، وهذا يؤكد قول المصطفى صلي الله عليه وسلم بأنها نتجت عن طرقة شديدة وصفها بقوله الشريف:هي: "هَزْمة جبريل وسقيا الله إسماعيل"(سنن الدارقطني: 2772). والهزمة فى اللغة: الطرقة الشديدة.
وبئر زمزم هي إحدى المعجزات المادية الملموسة، الدالة على كرامة المكان وعلى مكانة كل من سيدنا إبراهيم وولده سيدنا إسماعيل وأمه الصِّدِّيقة هاجر عند رب العالمين، وسيدنا إبراهيم عليه السلام هو خليل الرحمن وأبو الأنبياء الذي أعاد حفر بئر زمزم، وسيدنا إسماعيل هو الذبيح المفتَدَى بفضل من الله تعالى، والذي عاون أباه في رفْع قواعد الكعبة المشرفة، وانطلاقًا من كرامة المكان وعميق إيمان المُكْرَمين فيه كان شرف ماء زمزم الذي وصفه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله:
"ماء زمزم لما شرب له"(أخرجه مسلم: 4520)، و بقوله: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام طعم وشفاء سقم"(المعجم الكبير للطبراني: 9/ 308، صحيح ).
ويروى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها أنها كانت تحمل من ماء زمزم كلما زارت مكة المكرمة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمل منه كذلك ليسقي المرضى ويصب على أجزاء أجسادهم المصابة؛ فيشفون وتشفى أجسادهم بإذن الله.
ولقد جاء في كتاب "فيض القدير" في شرح حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: "ماء زمزم لما شرب له" ما نصه: "و أما قوله: "لما شرب له "فلأنه سقيا الله وغياثه لولد خليله فبقى غياثًا لمن بعده، فمَنْ شربه بإخلاص وجد ذلك الغَوث، وقد شربه جمع من العلماء لمطالب فنالوها".
وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه "زاد المعاد": وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض فبرئت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدَد قريبًا من نصف الشهر أو أكثر ولا يَجِد جوعًا"؛ وذلك تصديق لوصف المصطفى صلى الله عليه وسلم لهذا الماء المبارك بقوله: "فيه طعام طُعم وشفاء سُقم".
من خصائص ماء زمزم:-
أثبتت الدراسات العلمية التي أجريت على ماء بئر زمزم أنه ماء متميز في صفاته الطبيعية والكيميائية، فهو ماء غازي عَسِر غني بالعناصر والمركبات الكيميائية النافعة التي تقدر بحوالي 2000 ملليجرام بكل لتر، بينما لا تزيد نسبة الأملاح في مياه آبار مكة وآبار الأودية المجاورة لها على 260 ملليجراما بكل لتر؛ مما يوحي ببعد مصادرها عن المصادر المائية حول مكة المكرمة وبتميزها عنها في محتواها الكيميائي وصفاتها الطبيعية.
والعناصر الكيميائية في ماء زمزم يمكن تقسيمها إلى:
أيونات موجبة وهي بحسب وفرتها تشمل: أيونات كل من:
الصوديوم حوالي 250 ملليجرامًا / لتر
الكالسيوم حوالي 200 ملليجرامًا / لتر
البوتاسيوم حوالي 120 ملليجرامًا / لتر
المغنسيوم حوالي 50 ملليجرامًا / لتر
وأيونات سالبة وتشمل أيونات كل من:
الكبريتات حوالي 372 ملليجرامًا / لتر
البيكربونات حوالي 366 ملليجرامًا / لتر
النترات حوالي 273 ملليجرامًا / لتر
الفوسفات حوالي 25, ملليجرامًا / لتر
النشادر حوالي 6 ملليجرامًا / لتر
وكل مركب من هذه المركبات الكيميائية له دوره المهم في النشاط الحيوي لخلايا جسم الإنسان وفي تعويض الناقص منها في داخل تلك الخلايا، ومن الثابت أن هناك علاقة وطيدة بين اختلال التركيب الكيميائي لجسم الإنسان والعديد من الأمراض، فسبحان الذي أمر بشق بئر زمزم فكانت هذه البئر المباركة! وسبحان الذي أمر الماء بالتدفق إليها من مسافات بعيدة عبر شقوق شعرية دقيقة!
المصدر
كتاب الإعجاز العلمي في السنة النبوية الجزء الأول للدكتور زغلول النجار أستاذ علم الأرض وزميل الأكاديمية الإسلامية للعلوم من ص 53 : ص 58.