البعوضة
قال الله تعالى:{إن اللهَ لَا يَسْتَحى أن يَضَربَ مَثلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوقَهَا فأما الَّذيَنَ امَنُوا فَيَعْلمُونَ اَنَّهُ اْلَحُق مِنْ رَبّهِم وأما الَّذيَن كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أراد اللهُ بِهذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثيراً وَيَهدِى بِه كَثيراً وَمَا يُضِلُّ ِبِه إلا الفَاسِقيَن}(سورة البقرة: 26).
أما سبب نزول هذه الآيات فقد رُوِي عن بن عباس قال: لما ذكر الله آلهة المشركين فقال:{وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْه} (الحج: 73) وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، قالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء يصنع؟ فأنزل الله الآية. وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله الآية..
فهذه الآيات تدلنا أن إلى أن جميع مخلوقات الله سبحانه من أصغرها إلى أكبرها هي آية دالة على الله، وإن بدت تافهة فقد أودع الله سبحانه فيها من آياته وقدرته ما تتحير فيها العقول، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآيات لا يستحي أن يضرب مثلًا بالبعوضة التي قد يراها بعض الجهال مخلوقًا تافهًا، لكن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا بها؛ وذلك ليدلنا على آيات عظمة خلق البعوضة، وسنكشف في هذا المقالة بعض أسرار عالم البعوض؛ حتى نكتشف بديع صنع الله تبارك وتعالى في البعوض.
البعوضيات:
فصيلة من الحشرات من رُتبة ذوات الجناحين تتغذى إناثها على دم الإنسان، وأكثر الحشرات الماصَّة للدماء انتشارًاً ويسبب المضايقة بلدغاته المتكررة، وينقل العديد من الأمراض منها الملاريا، كما يتغذى البعوض أيضًا على دم الحيوانات والطيور.
أنثى البعوضيات هي وحدها التي تتغذى على الدم؛ لأنه ضروري لنضج البيض، في حين أن الذكر يتغذى على عصارة النباتات ورحيق الأزهار، ويتميز فم الأنثى بأنه مزود بأجزاء دقيقة تساعد على ثقب الجلد وامتصاص الدم (اللسان الثاقب الماص).
حصل رونالد روس عالم الجراثيم في عالم 1902م على جائزة نوبل للعلوم... أتعلمون لماذا؟؟
لأنه درس نوع من أنواع البعوض وهو Anopheles واكتشف أنها تقوم بنقل مرض الملاريا الذي كان يفتك بعشرات الألوف من الناس كل عام.
فهل يستحق هذا المخلوق الصغير أن يضرب الله سبحانه به المثل؟؟..
قوة البعوض:
ـ قالت الدكتورة مارجريت همفريز مؤرخة العلوم: (إن المجازر البشرية التي أحدثتها الحمى الصفراء (التي ينقلها البعوض) تكاد تكون هي وحدها التي عجلت بإنشاء المؤسسة الصحية العامة المهمة في الولايات المتحدة، ومنها هيئة الصحة العامة الأمريكية).
ـ يقول عالم الحشرات الأمريكي أندرو سبليمان Andrew Spielman في كتابه Mosquito: A Natural History of Our Most Persistent and Deadly Foe:
(لا يوجد كائن حي على وجه الأرض كالبعوض مَسَّ حياة مثل هذا العدد الهائل من البشر).
ـ ثبت علميًّا أن مرض الحمى الصفراء، وهو مرض فيروسي ينتقل بواسطة بعوضة تسمى (Aedes aegypti) يدمر الفيروس الكثير من أنسجة الجسم وخاصة الكبد والكليتين، ولقد تسبب هذا المرض في موت عشرات الملايين خلال العقود الماضية.
ـ في عام 1793م توفي في ولاية فيلادلفيا بسبب انتشار الحمى الصفراء عدة آلاف من الناس، وفَرَّ الرئيس الأمريكي جورج واشنطن من المدينة، وقُتِلَ ما بين 100.000 إلى 150.000شخص في أمريكا الشمالية ذلك العام.
ـ في أثناء الحرب الأمريكية الإسبانية (1898-1901) م حدثت مواجهة مباشرة بين الأسطول الاسباني والأسطول الأمريكي في جزيرة كوبا عام 1898م، وتمت عملية إنزال بري أمريكي على الأراضي الكوبية، فكان النصر حليف القوات الأمريكية التي قتلت حوالي 500جندي إسباني مقابل خسارة جندي أمريكي واحد، وعلى الرغم من هذا النصر الكبير خسرت القوات الأمريكية حوالي 5000جندي أمريكي بسبب انتشار مرض الحمى الصفراء والملاريا بين الجنود والتي نقلها إليهم البعوض، فتأمل أخي القارئ كيف أن القوات الأمريكية هزمت أعدائها، ولكن لم تصمد أمام هجمات البعوض.
ـ الملاريا: مرض خطير قاتل يسببه طفيلي قاتل تنقله إناث البعوض من النوع أنوفيلس Anopheles حيث تتسبب الملاريا بمقتل حوالي من 1 ـ 2 مليون شخص سنويًا حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية.
ـ تنقل البعوضة عشرات الأمراض الأخرى أهمها حمى الضُّنُك والفلاريا (داء الفيل) وحمى الوادي المتصدع.
قال تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ}(المدثر: من الآية31).
طيران البعوض:
اكتشف العلماء أنه لا بد لبعوضة Culex أن ترفرف بأجنحتها حوالي 500 مرة في الثانية الواحدة كي تطير بسرعة متواضعة مقدارها ثلاثة أميال في الساعة [5].
التركيب الداخلي لجسم البعوضة:
الغدد اللعابية:
يوجد زوج من الغدد اللعابية في البعوضة في منطقة الصدر، وتتكون كل غدة من ثلاث فصوص، ولكل فص قناة محورية تتفرع من قناة رئيسة هي القناة اللعابية.
وتتحد القناتان اللعابيتان للغدتين مكونة القناة اللعابية المشتركة التي تمتد داخل الرأس، وتفتح في كبسولة صغيرة تُعرَف بمضخة اللعاب، ومنها يسير اللعاب في قناة اللعاب التي تخترق اللسان وتفتح في طرفة عين. تلعب الغدة اللعابية دورًا هامًّا في نقل الملاريا حيث تختزن الأطوار التي تعيد العدوى للإنسان "الاسبروزويت" والتي تتدفق من اللعاب إلى الجرح الذي تحدثه الحشرة.
الجهاز الهضمي
يتكون الجهاز الهضمي في البعوضة من تجويف فموي قصير، يليه بلعوم قوي يعمل كمضخة لسحب الدم خلال تجويف الشفة العليا.
تخترق الرقبة أنبوبة قصيرة هي المريء ويصل بنهاية المريء ثلاثة أكياس، يوجد اثنان منها في الناحية الظهرية، وهما مستديران تقريبًا، أما الثالث فيمتد في الناحية البطنية وإلى الخلف، وقد يصل إلي حلقة البطن الثالثة أو الرابعة، ويصل المريء بالمعدة أنبوبة عضلية قصيرة تعرف بالقونصة أو المعدة الأولى، وتمتد المعدة من الصدر حتى الحلقة البطنية الخاصة، ولها قدرة كبيرة علي التمدد خصوصًا في نصفها الخلفي.
فالبعوضة البالغة قد تأخذ 2ـ 3 مم في وجبة واحـــــــدة، فائدتها استخلاص المواد الآزوتية التالفة والتخلص منها بطردها عن طريق المعي الخلفية إلى الخارج، وتتكون المعي الخلفية من أنبوبة قصيرة ضيقة لا تلبس أن تتسع مكونة المستقيم الذي يفتح للخارج بواسطة فتحة الإست.
الجهاز الدوري "الدورة الدموية"
الجهاز الدوري في البعوضة هو جهاز مفتوح حيث يدور الدم خلال التجويف الجسمي وفيه يتم امتصاص الغذاء المهضوم من القناة الهضمية، وبواسطته يتم نقل المواد المهضومة لكل أجزاء الجسم.
يقع القلب ملاصقًا لجدار البطن العلوي وهو مكون من عدة غرف طويلة وضيقة يدخل إليها الدم عن طريق فتحات جانبية في كل غرفة من غرف القلب، ويسير الدم في اتجاه واحد في غرف القلب وهو ناحية الرأس، ويتصل بالقلب من الأمام وعاء دموي يعرف بالأورطي يغير تجويف الجسم.
والدم خال من الكرات الدموية الحمراء فلا علاقة له بعملية التنفس، ولكنة ينقل فقط المواد الغذائية من القناة الهضمية إلى الأنسجة الأخرى.
الجهاز التنفسي
يتكون الجهاز التنفسي في البعوضة كما في جميع الحشرات من أنابيب ضيقة تسمى بالقصبات، لها فتحات خارجية علي جانبي حلقات الصدر والبطن.
تمتد القصبات داخل جسم الحشرات وتتفرع وتتشابك بشكل خـــاص وتتعمق إلى أن تتصل بخلايا الجسم، وتسمى الأفرع الصغيرة بالقصبات، والقصبات مبطنة من الداخل بحلقات أو حلزونيات كينتينية، أما القصبات فهي غير مبطنة بتلك الحلقات أو الحلزونيات. تبدأ القصبات الهوائية من فتحات في جدار البطن لدخول وخروج الهواء وتعرف بالفوهات التنفسية، وتوجد اثنتان من الفوهات التنفسية على جانبي الصدر وسبعة على جانبي البطن في الحلقات البطنية من (1-7).
الجهاز العصبي:
يتكون الجهاز العصبي في البعوضة من حبل عصبي مكون من عقد متصلة بعضها ببعض بواسطة ألياف عصبية، ويوجد منها في الرأس زوجان يسميان أحيانًا بالمخ، والزوج الأمامي يوجد فوق البلعوم والزوج الخلفي أسفلة، ويوجد في الصدر ثلاثة أزواج من العقد العصبية متحدة مع بعضها، وهي توجد ملاصقة لجدار الصدر من الجهة البطنية، وفي البطن من الجهة السفلية يوجد خمس أزواج من العقد العصبية.العقد العصبية للأقسام الصدرية الثلاثة والحلقة البطنية الأولى متصلة بظهر الرأس وبطنه لتكون المخ.
الجهاز التناسلي:
يكون في مؤخرة بطن البعوضة في التجويف الدموي، ويتركب في الأنثى من مبيضين، لكل منها قناة قصيرة هي قناة المبيض، وتتحد القناتان في الناحية البطنية لتكونا المهبل، ويفتح المهبل للخارج بواسطة الفتحة التناسلية التي تقع خلف فتحة الشرج، ويصب في المهبل قبل نهايته قناة الحوصلة المنوية التي تستقبل وتختزن الحيوانات المنوية وقناة الغدد الإضافية التي تفرز مادة لزجة الكيرلكس فائدتها جمع البيض مع بعضة لتكوين قارب البيض. وأيضًا يتم تخزين الحيوانات المنوية فيها"الحويصلة" حيث تستعملها الأنثى تدريجيًا في تلقيح البويضات، أما في الذكر فيتكون الجهاز التناسلي من خصيتين، كل منهما قناة منوية وتتحد القناتان لتكون القناة القاذفة التي تفتح للخارج في الفتحة التناسلية للذكر.
كيف يدرك البعوض الكائنات الحية في الطبيعة:
إن البعوضة لها قابلية الحس بالكائنات الحية بواسطة حرارتهم؛ فإن البعوضة تستطيع أن تلتقط حرارة الأجسام بشكل ألوان.
ولكن هذا الحس للحرارة لا يعتمد على أشعة الشمس أي: على الضوء، فإن مقدار الحس البصري لديها يعادل 1/1000 درجة بالنسبة للحس الحراري.
إن البعوض تملك حوالي 100 عين، وهذه العيون موجودة في الرأس على شكل يشبه قرص العسل تقوم عين البعوض باستلام هذه الإشارات وتنقلها إلى الدماغ.
آلية امتصاص البعوض للدم:
بشم الدم .... وتستعمل البعوضة تقنية تجلب الحيرة للعقول فالنظام المعقد المستعمل كالتالي:
عندما تحط البعوضة على الهدف أولًا بشم الدم ومعرفة هل هو مناسب لها أم لا، فإن لم تجده مناسبًا تركته وذهبت تبحث عن غذاء آخر.
بعد أن تتأكد أن نوع الدم مناسب لها تقوم بالبحث عن مكان مناسب رقيق فيه كمية دم غزيرة كالأوردة الشعرية، ثم تقوم بتحديد مكان معين بواسطة الشفاه الموجودة في الخرطوم، ثم تقوم ببخ المكان الذي سوف تقوم بشقه بمادة مخدرة أشبه ما تكون بالمخدر الموضعي، فالبعوضة لها إبرة مغلفة بغلاف خاص تخرجها عندما تقوم بمص الدم (والتي عبارة عن تجويف في الشفة العليا) إن الجلد لا يثقب بواسطة هذه الإبرة كما هو متصور، ولكن بواسطة الفك العلوي الذي يشبه السكين والفك السفلي الذي يحتوى على أسنان مائلة نحو الداخل، فالفك السفلى يعمل مقام المنشار أي يتحرك مثل المنشار، ويحتوي تجويف الشفة السفلي على سائل لزج يساعد بقية أجزاء الفم على التجمع معًا كأنها عضو واحد، والجلد ينشق بمساعدة الفك العلوي الذي يكون بمقام السكين، ومن المكان المنشق تدخل الإبرة إلى أن تصل إلى العرق وتقوم بعملية المَصّ.
وكما هو معروف عن جسم الإنسان عندما يخرج الدم من مكان وخلال مدة قصيرة وبمساعدة الأنزيمات الموجودة في الجسم يتم تخثر الدم في تلك المنطقة.
إذن هذا الأنزيم يسبب مشكلة كبيرة للبعوضة؛ لأن الثقب الذي أحدثته البعوضة في مدة قليلة سينغلق، وهذا يعنى أنها لا تستطيع أن تمتص الدم، ولكن مثل هذه المشكلة لا تواجه البعوضة؛ لأنها تقوم بصنع مادة في جسمها وتفرزها في جسم الإنسان في تلك المنطقة وتمنع من تخثر الدم هناك، كذلك تقوم هذه المادة بإحداث تهيج في الجلد مما يسبب توارد الدم إليه، وبذلك تكمل عملية امتصاصها للدم. والبعوضة عندما تلدغ الإنسان من مكان معين هذا المكان ينتفخ، ويحس الإنسان بحكة، وسبب ذلك هو الأنزيم الذي قامت البعوضة بإفرازه لمنع التخثر.
بدون شك إن هذه الأعمال كلها تضعنا أمام أسئلة كثيرة منها:
1 ـ كيف تعرف البعوضة بوجود هذا الأنزيم الذي يُخثر الدم.
2ـ كي تبطل البعوضة مفعول أنزيم التخثر بصنع هذا الإنزيم الخاص؟ وكيف لها أن تعرف هذه المادة الكيميائية وكيف يحدث كل هذا؟
3 ـ كيف حصلت على هذه المعلومات؟
وكيف تستطيع هذه الحشرة أن تصنع مثل هذا الإنزيم داخل جسمها، ثم تقوم بنقلها بواسطة تقنيتها إلى جسم الإنسان؟
جواب كل هذه الأسئلة هيِّن... إن البعوضة لا تستطيع أن تفعل أي شيء؛ لأنها لا تملك عقلًا مدركًا، ولا معلومات حول الكيمياء ولا مختبر لتصنيع هذه الإنزيمات، فالحشرة التي نتكلم عنها لا يزيد طولها عن بضع مليمترات، وبدون عقل وبدون علم، فالذي خلق الإنسان وخلق هذه البعوضة (الحشرة غير العادية الخارقة) وجعلها صاحبة هذا النظام الخارق الذي يصيب الإنسان بالذهول، هو الذي خلق الإنسان والقادر على بعثه يوم القيامة.
فسبحان الذي أودع كل هذه الأجهزة المعقدة في هذا المخلوق الصغير.
وصدق الزمخشري حين قال:
يا من يرى مد البعوض جناحه في ظلـمة الليل البهيم الأليل
ويرى منـاط عروقه في نحره والمخ من تلك العروق النحـل
ويرى خرير الدم في أوصاله متنقلا من مفـصل في مفصل
ويرى ويسمع حس ما هو دونها في قـاع بحر مظلم متهـول
المراجع:
بحث للداعية التركي هارون يحيى
مجلة The new york review of books
بقلم ريتشارد هورتون.