التشدد في الدين
نهى الله تعالى عن الغلو والتشدد في الدين، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في أكثر من موضع؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ"(ابن ماجه: 3029).
وإنما انطلق هذا النهي من مصدر التشريع، ولم يكن في يوم من الأيام من مطالب البعض مثلًا بعد مخالطة شعوب أخرى أو الاطلاع على ثقافاتهم مثلما يحلو للبعض أن يروج أحيانًا عن جهل أو حسن نية أو سوء نية في سعيهم لما يسمى الإسلام الحديث!
إن فهم الإسلام كما أُنزِل من مصدر تشريعه يقتضي اللين وحُسن الخلق والدعوة إلى الله تعالى بلين ورفق والعلم بأنه لو شاء الله تعالى لهدى الناس جميعًا، وأنه لا إكراه في الدين، وإن على الداعي التبليغ فقط، وعلى الرسول البلاغ، أما الاستجابة فهي من عند الله تعالى، ومن هنا وجب على المسلمين ألا يتشددوا ولا يغالوا .. قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}[هود: ١١٨] وقد قال الله تعالى في رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام:{وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}[آل عمران: 159] في إشارة إلى نبذ الفظاظة والتشدد في الدعوة والتعامل مع الآخرين .
وفي إطار الحديث عن التشدد في الدين .. يجب أن نَحُدَّ حدودًا ومفهومًا لهذا التشدد .. فليس التمسك بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم وشعائر الإسلام تشددًا .. وليست الغيرة على الدين وحبه من التشدد ..
إنما الإتيان بما ليس في الدين وممارسته وفهم سقيم لبعض النصوص وتطبيقها دون معرفة أحوالها أو التمسك ببعض العادات التي ليست من صحيح الدين والإصرار عليها والتمسك برأي متحفظ أو متشدد فيما فيه آراء موثوقة تقتضي التيسير على الناس في حياتهم.. هذا هو التشدد المنهي عنه.
وإن الإسلام في مجمله هو دين يدعو إلى الاجتهاد والتجديد .. يقاوم الجمود ويؤمن بمواكبة التطور والشريعة لا تَضِيْقُ بجديد ولا تَعجِز عن إيجاد حلٍّ للمشكلة وإنما العجز في عقول بعض المسلمين .. الذين ظن بعضهم أن التشريع والاجتهاد يقف عند زمن معين .. طالما كان هذا الاجتهاد في أمور غير قاطعة الثبوت وفي إطار الخطوط العريضة للإسلام ..
وفي النهاية عليك أن تعلم أن فهم الإسلام الصحيح هو أنه إسلام يتسم بالوسطية في كل شيء .. يجعلها من خصائص أمته الأساسية حيث يقول الله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}[البقرة: 143] يمثل التوازن الإيجابي في كل المجالات اعتقادية وعملية ومادية ومعنوية ..
وعليه فإن ما يفعله بعض أبنائه من تشدد في بعض المسائل ماهو إلا خروج عن هذه القاعدة التي أقرها الله تعالى لهذا الدين ولأتباعه ..